الثلاثاء، 21 يناير، 2014

العالم الرياضى أبو الوفاء البوزجاني


العالم الرياضى أبو الوفاء البوزجاني

يمثِّل النصف الثاني من القرن الرابع الهجري والنصف الثاني من القرن العاشر الميلادي أبو الوفاء البوزجاني (ت 388هـ / 998م)،
والذي يُعَدُّ أحد الأئمة المعدودين في الرياضيات والفلك، وله فيهما مؤلَّفات قيِّمة، من أشهرها:
منازل في الحساب،
وتفسير الجبر والمقابلة للخوارزمي؛
والمدخل إلى الأرثماطيقي،
وكتاب استخراج الأوتار،
وكتاب العمل بالجدول الستيني،
وكتاب معرفة الدائرة من الفلك، والكامل، والزيج الشامل،
وكتاب المجسطي.

وقد اعترف له كل من جاء بعده من رياضيي الشرق والغرب بأنه من أشهر الذين برعوا في الهندسة،

وعندما ألّف في الجبر أضاف إضافات ذات شأن على بحوث الخوارزمي؛
 فاعْتُبِرَت أساسًا لعَلاقة الهندسة بالجبر،

ويعود الفضل للبوزجاني في وضع النسبة المثلثية (الظلّ)،

وهو أوَّل مَن استعملها في حلول المسائل الرياضية،

كما أوجد طريقة جديدة لحساب جداول الجَيْب، وكانت جداوله دقيقة للغاية، ووضع بعض المعادلات التي تتعلق بجيب الزاويَتَيْنِ،
وكشف بعض العَلاقات بين الجيب والمماس والقاطع ونظائرها.

وقد اكتشف البوزجاني إحدى المعادلات لتقويم مواقع القمر سُمِّيت معادلة السرعة،

ومن أهمِّ إسهاماته في علم الفلك اكتشافه للخلل في حركة القمر،
وهو الاكتشاف الذي أدَّى فيما بعد إلى اتِّساع نطاق علمي الفلك والميكانيكا،

وقد ظلَّ المؤرِّخون مختلفين فيما إذا كان تيخو براهي (ت1010هـ / 1601م) الفلكي الدنماركي هو صاحب هذا الاكتشاف أم البوزجاني،
إلى أن ثبَت حديثًا بعد التحريات الدقيقة أن الخلل الثالث هو من اكتشاف البوزجاني[1].

وشهد عصر البوزجاني عَلَم آخر من أعلام الحضارة الإسلامية هو أبو القاسم بن أحمد المجريطي (ت 397هـ / 1007م) الذي عاش في قرطبة؛ فقد استطاع تحضير أُكسيد الزئبق، تلك المادَّة التي أدَّت دورًا مهمًّا في أبحاث بريستلي ولافوازيه في القرن الثامن عشر[2].

....................

[1] عن البوزجاني انظر: علي بن عبد الله الدفاع: العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية ص 376 – 382، وله أيضًا: روائع الحضارة العربية الإسلامية ص 190 - 193، وموقع الموسوعة العربية العالمية.
[2] انظر شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 524.
.....................
المصدر:


لمشاهدة فيديو تقرير الجزيره عن العالم الرياضى من موقع قناه الجزيره الفضائيه

او على يوتيوب
....................


الاثنين، 20 يناير، 2014

النّزعة الإنسانيّة في حضارتنا الإسلاميّة - د. مصطفى السّباعي (2/2)


النّزعة الإنسانيّة في حضارتنا الإسلاميّة - د. مصطفى السّباعي (2/2)

ولما كان عهد أبي بكر كان مثال الرئيس المتواضع الذي تملأ الإنسانية قلبه ونفسه، فإذا هو وهو خليفة، يأتي لبنات الحي ممن فقدن آباءهن في الحروب فيحلب لهن غنمهن ويقول: أرجو أن لا تغيرني الخلافة عن خُلق كنت أعتاده من قبل.

وكان عمر مثال الخليفة الغيور على الشعب البار بالضعفاء، الشديد في الحق، الناس عنده سواء، بل يحرم نفسه ليعطي الناس، ويجوع ليشبعوا،
وكان يتفقد الناس في بيوتهم ومنازلهم وقصصه في ذلك مشهورة ومعروفة.

رأى مرة في السوق شيخاً كبيراً يسأل الصدقة فقال له: ما أنت يا شيخ؟
قال: أنا شيخ كبير أسأل الجزية والنفقة، وكان يهودياً من سكان المدينة.
فإذا بعمر الإنساني العظيم يقول له: ما أنصفناك يا شيخ. أخذنا منك الجزية شاباً ثم ضيعناك شيخاً.
وأخذ بيده إلى بيته ففرض له ما كان من طعامه.
 ثم أرسل إلى خازن بيت المال يقول: إفرض لهذا وأمثاله ما يغنيه ويغني عياله!..

ومشى عمر مره في سكك المدينه فاذا بصبيه تطيش هوالا تقوم مره وتقع اخرى
فقال عمر : ياحوبتها! يابؤسها! من يعرف هذه منكم؟
فقال ابنه عبدالله : أما تعرفها يا امير المؤمنين ؟
قال :لا
قال : هذه احدي بناتك!
قال عمر :و اي بناتي هذه؟
قال : هذه فلانه بنت عبدالله بن عمر (اى ابنته)
فقال عمر: ويحك وماصيرها الى ما ارى؟
قال له ابنه: منعك ماعندك
فقال عمر: انك والله مالك عندي غير سهمك فى المسلمين وسعك او اعجزك ! هذا كتاب الله بيني وبينكم

وقدمت الى المدينه قافله من التجار وفيها النساء والأطفال 
فقال عمر لعبدالرحمن بن عوف : هل لك ان تحرسهم هذة الليله ؟
 فباتا يحرسانهم ويصليان ماكتب الله لهما ،
فسمع عمر بكاء الصبي فتوجه نحوه وقال لأمه : اتقي الله وأحسني الى صبيك ثم عاد الى مكانه ،
فسمع بكاءأ فعاد الى امه فقال اتقي الله وأحسني الى صبيك ثم عاد الى مكانه ،
 فلما كان من اخر الليل سمع بكائه فأتى امه فقال : ويحك اني لأراك ام سوء ! مالي ارى ابنك لا يقر منذ الليله ؟
قالت وهي لاتعرفه انه امير المؤمنين : ياعبدالله لقد ابرمتني منذ الليله ! اني اريقه عن الفطام فيأبى ( أي أحمله عن الفطام كرها فيأبى )
 قال ولم؟
 قالت لانه عمر لا يفرض معاشا الى للفطيم ( أي لا يعطي للاباء عن اولادهم الا من فطم )
قال وكم له قالت كذا وكذا شهرا
قال ويحكي لاتعجليه
 فصلى الفجر ولا يستبين الناس قراءته من غلبه البكاء
فلما سلم قال : يابؤسا لعمر كم قتل من اولاد المسلمين ..
ثم امر مناديا فنادى ألا تعجلو صبيانكم عن الفطام فانا نفرض لكل مولود في الاسلام وكتب بذلك الى الافاق .

ولعمرى مايروي التاريخ اروع ولا ابلغ من هذه الحادثه
وما فى حضارات الامم كلها مايعدل روعه عمر فى ديموقراطيته اذ اخذ بنفسه يسهر على القافله واصحابها نيام وهو يومئذ أمير المؤمنين – أي قاهر كسرى وقيصر ووارث ملكهما – يفعل مالا يفعله اليوم الا حارس طلب اليه ان يحرس مثل هذه القافله
وهيهات مع هذا ان يفعل مثل مافعل عمر ان يتنبه للطفل يبكي ويطلب الى الام ان ترعى ولدها ثلاث مرات
من منا يفعل فعل عمر مع اولاد القافله ؟
من من عظماء التاريخ قارب عمر فى شعوره الانسانى العظيم؟

ولنستمع إلى ما هو أروع من هذا في تاريخ حضارتنا..
حدث أسلم خادم عمر قال: خرجت مع عمر ليلة وبعدنا عن المدينة ونحن نتفقد أهل المنازل النائية، فبصرنا بنار من بعيد
فقال عمر: إني أرى هاهنا ركباناً قصّر بهم الليل والبرد، انطلق بنا،
فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم فإذا بامرأة معها صبيان وقدر منصوبة على نار، وصبيانها يتضاعون (أي يتصايحون ويبكون)
فسلّم عمر ثم سأل المرأة ما بالكم؟
قالت: قصر بنا الليل والبرد،
قال وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟
قالت: الجوع،
قال: وأي شيء في القدر؟
قالت :ماء أسكتهم به حتى يناموا.. والله بيننا وبين عمر! (تشكو عمر وتدعو عليه)
فقال: أي رحمك الله وما يُدري عمر بكم؟
قالت: يتولى أمرنا ثم يغفل عنا؟
فأقبل عليَّ فقال: انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلاً من دقيق، وكبة من شحم، وقال: احمله عليّ،
قلت: أنا أحمله عنك
قال: أنت تحمل وزري يوم القيامة لا أم لك؟!
فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئاً،
 فجعل يقول لها: ذري علي وأنا أحرُّ لك،
وجعل ينفخ تحت القدر وكانت لحيته عظيمة، فرأيت الدخان يخرج من خلال لحيته حتى طبخ لهم،
ثم أنزلها وقال: أبغني شيئاً، فأتته بصفحة فأفرغها فيها،
فجعل يقول لها أطعميهم وأنا أسطح لهم (أبسطه حتى يبرد)،
فلم يزل حتى شبعوا، وترك عندها فضل ذلك
 وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيراً، كنت بهذا الأمر أولى من أمير المؤمنين!
فيقول: قولي خيراً، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله!
ثم تنحى ناحية عنها، ثم استقبلها فربض مربضاً، فقلت له: لك شأن غير هذا؟
فلا يكلمني، حتى رأيت الصبية يصطرعون، ثم ناموا وهدأوا.
فقام يحمد الله، ثم أقبل علي فقال: يا أسلم، إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيتَ.

و من هذا النمط الانساني الفذ في تاريخ الانسانيه ماوقع لعمر ايضا ذات ليله اذ كان على عادته يتفقد الناس فمر برحبه من رحاب المدينه فاذا ببيت شعر ينبعث منه انين امراه وعلى بابه رجل قاعد فسلم عليه عمر وسأله من هو؟
فأجابه بأنه رجل من البادية جاء يصيب من فضل أمير المؤمنين،
فقال عمر: ما هذا الصوت الذي أسمعه في البيت؟
 قال الرجل، وهو لا يدري أنه عمر أمير المؤمنين: انطلق (رحمك الله) لحاجتك ولا تسأل عما لا يعنيك، فألح عليه عمر يريد معرفة الأمر فأجابه: امرأة تمخض ـ أي على وشك الولادة ـ وليس عندها أحد،

فعاد عمر إلى منزله وقال لامرأته أم كلثوم بنت علي -رضي الله عنه-:
هل لك في أجر ساقه الله إليك؟
قالت: وما هو؟ فأخبرها الخبر وأمرها أن نأخذ معها ما يحتاج إليه الوليد الجديد من ثياب وما تحتاج إليه المرأة من دهن، وأن تأخذ معها قدرا وتضع فيه حبوبا وسمنا.
فجاءت به فحمل القدر ومشت خلفه حتى انتهى إلى البيت
وقال لامرأته ادخلي إلى المرأة وجلس هو مع الرجل وأوقد النار وطبخ ما جاء به والرجل جالس لا يعلم من هو!
وولدت المرأة فقالت زوجة عمر من داخل البيت: بشر يا أمير المؤمنين صاحبك بغلام!!
فلما سمع الأعرابي ذلك علم أنه مع أمير المؤمنين، فكأنه هابه، فأخذ يبتعد عنه!
وعمر يقول له: مكانك كما أنت، ثم حمل القدر وأمر زوجته أن تأخذه لتطعم المرأة، فلما أكلت ناول الرجل القدر وقال: كل ويحك فإنك سهرت الليل كله...
ثم خرجت زوجته وقال للرجل: إذا كان غدا فأتنا نأمر لك بما يصلحك، فلما أصبح أتاه ففرض لابنه في الذرية وأعطاه... !

أما إنى لا اعلم في كل ماقرات من تاريخ العظماء أروع ولا انبل ولا اسمى انسانيه من مثل هذه الحادثه
ولقد ذكروا في تاريخ واشنطن محرر امريكا أنه كان مارا ذات يوم في بعض شوارع المدينه التى سميت باسمه فراى بعض الجنود يحاولون رفع حجر ويعجزون عن ذلك والضابط واقف لا يحاول اعانتهم
فقال له واشنطن ساعدهم على حمله
فابي الضابط وقال : انى لا اتنازل الى هذا
فالقى واشنطن رداءه وساعدهم حتى حملوا الحجر
ثم قال لهم: كلما احتجتم الى مساعده فاسالوا عن دار واشنطن
انها نادره تدل على خلق عظيم
ولكن اين هذا مما صنع عمر اذ ترك فى الليل نومه وراحته واخذ يفتش عن شعبه فلما علم بامراه حامل على وشك الولاده وليس لها من يساعدها عاد الى بيته واحضر زوجته وسارا معا فى ظلام الليل
هو يحمل الطعام وهى تحمل الثياب حتى وصلا الى الخباء فقامت زوجته – وهى في تعبيرنا الحديث سيدة الدولة الاولى – مقام القابله وقام هو مقام الطاهي.

أين مثل هذا في سمو النفس الانسانيه التى بلغت مالم يبلغه رئيس على وجة الارض؟
انها احدي عظمات عمر
وهى احدى روائع حضارتنا التى صاغت من عمر بن الخطاب ابن الصحراء انسانا يقف على راس قمة العظماء كما تقف حضارتنا في مقدمة الحضارات.

وبعد فليس عمر وحده هو الذي صنعته حضارتنا رجلاً يمثل الإنسانية الكاملة الرحيمة،
 ففي أبي بكر وفي عثمان وفي علي وفي عمر بن عبد العزيز وفي صلاح الدين وفي غيرهم من علماء حضارتنا وعظمائها وقادتها وعبّادها وفلاسفتها،
 في كل واحد من هؤلاء مثلٌ خالد على سمو النزعة الإنسانية في حضارتنا الخالدة.
......................
تم نشر الجزء الاول على مدونة (مش هنسكت) على الرابط التالى
النّزعة الإنسانيّة في حضارتنا الإسلاميّة - د. مصطفى السّباعي (1/2)
......................
المصدر:
من كتاب (من روائع حضارتنا) للدكتور مصطفى السباعي

................

الأحد، 19 يناير، 2014

النّزعة الإنسانيّة في حضارتنا الإسلاميّة - د. مصطفى السّباعي (1/2)


النّزعة الإنسانيّة في حضارتنا الإسلاميّة - د. مصطفى السّباعي (1/2)

لا يسع الباحث في حضارتنا الخالدة وآثارها إلا أن يعني بالنزعة الإنسانية التي تميزت بها حضارتنا عن كل الحضارات،
فنقلت الإنسانية من أجواء الحقد والكراهية والتفرقة والعصبية إلى أجواء الحب والتسامح والتعاون والتساوي أمام الله، ولدى القانون،
 وفى كيان المجتمع تساويا لا أثر فيه لاستعلاء عرق على عرق، أو فئة على فئة، أو أمة على أمة..
وإن هذه النزعة لتتجلى في مبادئ حضارتنا وتشريعها وواقعها

أما النزعة الإنسانية في مبادئها فذلك حين يعلن الإسلام أن الناس جميعا خلقوا من نفس واحدة
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً).سورة النساء الايه 1.

فالأصل البشري لأبناء البشـرية قاطبة هـو أصل واحد.
ومهما تفرق الناس بعد ذلك إلى أمم وقبائل وبلدان وأجناس، فإنما هو كتفرق البيت الواحد والأخوة من أب واحد وأم واحدة.
وما كان كذلك فسبيل هذا الاختلاف في أجناسهم وبلدانهم أن يؤدي إلى تعاونهم وتعارفهم وتلاقيهم على الخير،

ومن ذلك انبثق المبدأ الإنساني الخالد( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)سورة الحجرات الايه 13

وقد ترفع الحياه بعد ذلك أفرادا وتخفض أخرين وقد تغتني فئات ويفتقر كثيرون وقد يحكم شخص ويخضع شعب وقد تبيضّ بشرة أقوام وتسودّ ألوان أمم أخرى.

إن هذا وان كان من سنه الحياة بل هو نظامها الذى لا يتبدل فليس من شانه ان يميز من ارتفع على من اتضع
ولا من اغتنى على من افتقر ولا من حكم على من خضع ولا ذا اللون الأبيض على ذى اللون الأسود
بل الكل سواء، سواء عند الله في آدميتهم وإنسانيتهم لا تمايز بينهم إلا بالتقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) سورة الحجرات الايه 13

وهم سواء أمام القانون في الخضوع له، لا تمايز بينهم إلا بالحق ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ(8))سورة الزلزلة الايتان 7-8

وهم سواء في كيان المجتمع، يتأثر قويهم بضعيفهم، ومجموعهم لعلم أفراد منهم
(مثل المؤمنين في توادَهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر) رواه مسلم وأحمد

وهكذا يستمر الاسلام فى اعلان الوحدة الانسانيه بين الناس كاخوة من اب وام والوحدة الاجتماعيه في المجتمع كشجرة تهتز اغصانها جميعا اذا لمستها الرياح لافرق بين اعلاها وادناها.

ومن المفيد هنا ان نلاحظ كثرة خطاب القرآن للناس بهذه الالفاظ التى تشعرهم بوحدة اصلهم الانساني (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ...) (يَا بَنِي آَدَمَ....) كما خاطب ابناء الدين الواحد بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا.....)  (أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) دون أن يميز بالخطاب امه على امة او فريق على فريق.

وأما النزعة الإنسانية في تشريعنا الحضاري، فإنك لتلمس ذلك واضحا في كل باب من أبواب التشريع،

في الصلاة يقف الناس جميعا بين يدي الله لا يخصص مكانا لملك أو عظيم أو عالم.
وفي الصوم يجوع الناس جوعا واحدا لا يفرد من بينهم أمير، أو غني، أو شريف.
وفي الحجّ يلبس الناس لباسًا واحدًا، ويقفون موقفاً واحداً، ويؤدون منسكاً واحداً، لا تمييز بين قاص ودان، وقوي وضعيف، وأشراف وعامة.

فإذا انتقلت من ذلك إلى أحكام القانون المدني وجدت الحق هو الشرعة السائدة في العلاقة بين الناس،
 والعدل هو الغرض المقصود من التشريع، ودفع الظلم هو اللواء الذي يحمله القانون ليفئ إليه مضطهد ومظلوم.

فإذا انتقلت من ذلك إلي القانون الجزائي وجدت العقوبة واحدة لكل من يرتكبها من الناس،
 فمن قتل قُتل، ومن سرق عوقب، ومن اعتدى أُدب،
لا فرق بين أن يكون القاتل عالما أو جاهلا، والمقتول أميرا أو فلاحا،
ولا فرق بين أن يكون المعتدي أمير المؤمنين، أو صانع النسيج، والمعتدي عليه أعجمياً أو عربياً، شرقياً أو غربياً، فالكل سواء في نظر القانون (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى) سورة البقرة الايه 178

ويسمو التشريع إلى أرفع من هذا حين يثبت الكرامة الإنسانية للناس جميعا بقطع النظر عن أديانهم وأعراقهم وألوانهم فيقول: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ) سورة الإسراء  الايه 70

هذه الكرامة هي التي تضمن للناس جميعاً حقهم في الحياة والعقيدة والعلم والعيش، هي للناس جميعا،
ومن واجب الدولة أن تكفلها لهم على قدم المساواة بلا استثناء.
ويسمو التشريع فوق هذا إلى ذروة عالية من السمو الإنساني حين يجعل أساس المثوبة والعقاب للناس لا على ظواهر أفعالهم بل على نواياهم
(إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم) رواه مسلم
 فالنية هي محل المؤاخذة أو الإثابة: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)رواه أئمة السنه كلهم
 والنية المقبولة عند الله هي نية الخير والنفع للناس وابتغاء وجه الله ومرضاته دون غرض مادي، أو نفع تجاري (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)سورة الحج الايه 77.
وهذا الخير الذي تفعله ابتغاء وجة الله لا يصح أن تطلب ممن استفاد منه ثوابا ولا اجرا (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)) سورة الانسان الايتان 8-9

ويبلغ التشريع أعلى ذروة من النزعة الإنسانية حين يقرر وحدة العوالم كلها من إنسان وحيوان ونبات وجماد وأرض وأفلاك في سلك العبودية لله والخضوع لنواميس الكون،
وما أروع ما يطلبه القرآن من المسلم أن يذكره في كل ركعة من ركعات صلاته
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)) سورة الفاتحه الايتان 2-3

 إنه لواجب أن يذكر المسلم أنه جزء من الكون مخلوق لإلّه واحد متصف بالرحمة البالغة الشاملة، فليكن المسلم في هذا العالم الذي يعيش فيه وهو محتاج إليه مثالا للرحمة التي يتصف بها الله، وهو غني عن العالمين.

هذه هي مظاهر النزعة الإنسانية في مبادئ حضارتنا وتشريعها حين أُعلنت للناس، فكيف كان واقعها حين حكمت وانتصرت؟
هل ظلت تلك المبادئ ميثاقاً كميثاق حقوق الإنسان في شرعة الأمم تحتفل الدول بذكرى إعلانه يوماً في كل عام، بينما تمتهنه الدول الكبرى في كل ساعة وفي كل يوم وفي كل شهر من شهور السنة؟..

هل ظلت تلك المبادئ حبيسة في البلد الذي أُعلنت فيه كما احتبست مبادئ الثورة الفرنسية في فرنسا وحرِّمت علي مستعمراتها والبلدان الواقعة تحت حكمها أو انتدابها؟

هل نصبت تماثيل جديدة كما نصب تمثال الحرية في نيويورك أول ما يراه القادم إلى تلك الديار، بينما تنطق أعمال أمريكا في خارجها نطقا يلعن الحرية ويهزأ بها ويضطهد عشاقها الأحرار؟..

 لنستمع إلى التاريخ فهو أصدق شاهد، لنستمع إلى روائع النزعة الإنسانية في حضارتنا وكيف أعلنتها حقائق ناطقة في تصرفات أفرادها وحكامها:

تغاضب أبا ذر، وهو عربي من غفار، مع بلال الأسود الحبشي مولى أبي بكر (رضي الله عنه) وتطور النزاع بينهما إلى أن أخذت أبو ذر الحدة فقال لبلال: يا ابن السوداء!
 فشكاه بلال إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم) فقال لأبي ذر: (أعيرته بأمه؟إنك امرؤ فيك جاهلية)!
فقال أبو ذر وقد ظن الجاهلية هي الانحراف الأخلاقي الشهواني الذي لا يأتيه إلا الشباب: على ساعتي هذه من كبر السن؟.. قال: نعم، (هم إخوانكم)رواه البخاري ومسلم وغيرهما
فندم أبو ذر وتاب حتى أنه أمر بلالا أن يطأه على وجهه مبالغة في التوبة والندم.

وسرقت امرأة من بني مخزوم في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم ) وجيء بها إليه لتعاقب، فأهم ذلك قريشا وقالوا: من يشفع لنا عند رسول الله في إسقاط الحد عنها؟
ثم ذكروا أن أسامة بن زيد حبيب إلى قلب الرسول (صلى الله عليه وسلم )  فكلموه في أن يشفع لها عنده، فكلمه بذلك فغضب عليه الصلاة والسلام غضبا شديدا
وقال لأسامة: أتشفع في حد من حدود الله؟!
 ثم قام في الناس خطيبا فقال: (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)رواه البخاري ومسلم وأحمد

وجاء قيس بن مطاطيه (وكان منافقا) الى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي فقال : هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل (أي محمد (صلى الله عليه وسلم)) فما بال هؤلاء؟ (يعني سلمان وصهيبا وبلالا)
فقام ايه معاذ بن جبل فأخذ بتلابيبه (اى قبض على ثيابه من جهه نحره) ثم أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره بمقالته فقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مغضبا يجر رداءه حتى اتى المسجد ثم نودي ان الصلاه جامعة (نداء الى الاجتماع العام وفي صلاة العيدين) فخطب في الناس وقال:
(يا أيها الناس ! إن الرب واحد والأب واحد وإن الدين واحد) رواه ابن عساكر بسنده الى الزهري

ولما فتح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكة بعد نضال استمر احدي وعشرين سنه ووقف موقف المنتصر ممن حاربوه واخرجوه وكذبوه
لم يذكر يومئذ الا دعوته ومبادئها التى كان ينادي بها يوم كان مستخفيا في دروب مكة ثم يوم كان حاكما في المدينه يضع الاساس في بناء الحضارة الخالده في التاريخ – يومئذ أعلن تطبيق المبادىء التى طالما نادى بها من قبل – قبل ان ينتصر انتصاره النهائى – فقال وهو على باب الكعبه وقريش ذات الكبرياء والفوارق الاجتماعيه الظالمه تسمع ما يقول
(يامعشر قريش ان الله اذهب عنكم نخوة الجاهليه وتعظمها بالاباء الناس من ادم وادم وخلق من تراب)
ثم تلا قول الله تبارك وتعالى وهو ما كان ينادي به قبل ان ينتصر
 (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) سورة الحجرات الاية 13

وجاء عدي بن حاتم الطائي الى المدينه يوما وهو لم يسلم بعد وحضر مجلس الرسول (صلى الله عليه وسلم) وحوله اصحابه بعد منصرفهم من احدى الغزوات يلبسون الدروع السابغات فراعه هيبه الصحابه لنبيهم واحترامهم له وبينما هو كذلك اذ جاءت الى النبي (صلى الله عليه وسلم) امراة فقيره من اماء المدينه وقالت له : اريد يارسول الله أن أسر إليك
فقال لها (انظرى في أي سكك المدينة أخلو لك) ثم نهض معها ووقف طويلا يستمع اليها ثم عاد
فلما راى عدي هذا تملكته روعة هذه النزعه الانسانيه فى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأسلم.
...............
تم نشر الجزء الثاني على الرابط التالى
النّزعة الإنسانيّة في حضارتنا الإسلاميّة - د. مصطفى السّباعي (2/2)
........................
المصدر:
من كتاب (من روائع حضارتنا) للدكتور مصطفى السباعي

.................