الثلاثاء، 31 ديسمبر، 2013

العالِم ابن البيطار


العالِم ابن البيطار 

د. راغب السرجاني

اتَّسم العلماء المسلمون بسمة مميِّزة ألا وهي موسوعيتهم،
ففي كل فروع المعرفة صنَّفوا، وقلَّما اقتصر إنتاج العالم منهم على تخصُّص واحد، بل كان يتناول شتى فروع المعرفة في مؤلفاته،
وإن كان بعضهم قد ذاع صيته في مجال مُعَيَّن، بجانب ما يُجِيد من المجالات الأخرى،

ومن أشهر هؤلاء العلماء الذين نبغوا في علمي النبات والصيدلة العالم العبقري الفذُّ ابن البيطار، الذي يُعَدُّ رائدًا من رُوَّاد هذين العِلْمَيْن؛ لِمَا قدَّمه من إسهامات عظيمة غيَّرت مجرى البحث فيهما؛

لذلك قال عنه ابن أبي أصيبعة: "هو الحكيم الأجل العالم النباتي... أوحد زمانه، وعلامة وقته في معرفة النبات وتحقيقه واختياره، ومواضع نباته، ونعت أسمائه على اختلافها وتنوُّعها" .

ابن البيطار

هو أبو محمد ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المالقي، نسبة إلى مدينة مالقة التي وُلِدَ فيها بالأندلس أواخر القرن السادس الهجري،
وكان والده بيطريًّا حاذقًا؛ لذلك لُقِّبَ بابن البيطار -وهو لقب مشتقٌّ من كلمة عربية تعني ابن البيطري- نسبة إلى عمل والده.

وفي صغره أحبَّ قضاء وقته في الغابة المجاورة لقريته، فترسَّخ في نفسه منذ الصغر حبُّ الطبيعة، وازداد تقديره لها،
 فكانت مراقبة (ابن البيطار) للتنوُّع النباتي والحيواني وراء حُبِّه لعلم النباتات؛ فكانت الغابة بمثابة أول مدرسة له في علم النبات،
ثم تتلمذ ابن البيطار بعد ذلك على يد عالم إشبيلية أبي العباس أحمد بن محمد بن فرج النباتي صاحب الشهرة العظيمة في علم النبات،
 إلا أن ابن البيطار فاق أستاذه، بل امتاز في أبحاثه العلمية والتجريبية والتطبيقية على باقي عشَّابي زمانه .

صفاته ومناقبه
جمع ابن البيطار بين عبقرية علمية فذَّة، وأخلاق فريدة رائعة قلَّما تُوجَدُ في غيره، وهذا ما شهد به كل من خالطه وعايشه؛ ومنهم ابن أبي أصيبعة الذي قال:
"ورأيتُ من حُسْنِ عشرته، وكمال مروءته، وطيب أعراقه، وجودة أخلاقه ودرايته، وكرم نفسه، ما يفوق الوصف ويتعجب منه" .

رحلاته العلمية
كانت نفس ابن البيطار توَّاقة للعلم دائمًا، فرحل في بداية العشرينيات من عمره لطلبه، متحمِّلاً المشاقَّ في سبيل ذلك؛
حيث جاب بلاد اليونان والروم والمغرب، ومَرَّاكش والجزائر وتونس،
ثم تابع جولاته منتقِّلاً إلى آسيا الصغرى مارًّا بأنطاكية، ومنها إلى سوريا،
ثم إلى الحجاز وغزَّة والقدس وبيروت ومصر،
وقد اجتمع مع علماء تلك البلاد فتدارس معهم أنواع النبات، وخواصَّه وفوائده،
ولم يكتفِ بقراءة الكتب والمصنَّفات، فكان يدرس النبات في منابته، بل ويدرس الأرض التي تُنْبِته، وعن ذلك يقول ابن أبي أصيبعة: "شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيرًا من النبات في مواضعه" .

ثم استقرَّ ابن البيطار في مصر في عهد الملك الكامل، حيث عيَّنه رئيسًا للعشَّابين، واعتمد عليه الكامل في الأدوية المفردة والنبات،
 وبعد وفاته خدم الملك الصالح نجم الدين أيوب، فكان حظيًّا عنده مُتَقَدِّمًا في أيامه .

إبداع ابن البيطار العلمي
لم يُبْدِع ابن البيطار من لا شيء، بل اعتمد على مَنْ سبقه من علماء النبات والصيدلة وقرأ كتبهم، وفنَّد آراءهم بِنَاءً على تجارِبَ ومشاهداتٍ قام بها بنفسه،
وهذا ما يؤكِّده ابن أبي أصيبعة الذي عايش ابن البيطار في ترحاله؛ حيث قال:
"قرأتُ عليه تفسيره لأسماء أدوية كتاب ديسقوريدس فكنتُ أجد من غزارة علمه ودرايته وفهمه شيئًا كثيرًا جدًّا،
وكنتُ أُحْضِر لدينا عدَّة من الكتب المؤلفة في الأدوية المفردة مثل كتاب ديسقوريدس وجالينوس والغافقي، وأمثالها من الكتب الجليلة في هذا الفنِّ..." .

 هكذا نجد ابن البيطار قد نوَّع في مصادر عِلْمِه؛ حيث اطَّلع على كل ما تُرْجِمَ من كتب اليونانيين وعلوم الأوائل من غير العرب، وقد ساعده على ذلك معرفته بعدد من اللغات كالفارسية واليونانية.

ولم يكتفِ ابن البيطار بذلك، بل واطَّلع على كل ما كتبه علماء المسلمين في هذا المجال؛ فدرس ما كتبه ابن سينا والإدريسي وابن العباس النباتي دراسة مستفيضة حتى أتقنها تمامًا، وشرح النقاط الغامضة فيها، ورغم إفادته من مؤلَّفات السابقين، إلاَّ أنها كانت موضع تصحيحاته، ونقده في كثير من الأحيان.

وهذا ما دعا (راملاندو) في كتابه: (إسهام علماء العرب في الحضارة الأوربية) إلى القول بأن:
 "إسهام ابن البيطار في مجال علم النبات يفوق إنتاج السابقين من ديسقوريدس إلى القرن العاشر الهجري".

كما يذكر (الدومييلي) في كتابه: (العلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي) أن ابن البيطار "كان مشهورًا بأنه أعظم النباتيين والصيدليين في الإسلام، مع العلم أن مؤلَّفاته تعتمد على كتب السابقين له، فقد سجَّلت في جملتها تقدُّمًا بعيد المدى".

وقبل الحديث عن مؤلَّفات ابن البيطار الرائدة يجب أن نُلْقِيَ نظرة شاملة على تطوُّر علم الطبِّ وعَلاقته بالصيدلة خاصَّة في القرنين السادس والسابع الهجريين؛ لأن لذلك التطوُّر أثره على إبداعات ابن البيطار فالإنسان صناعة عصره؛
 حيث شهد هذان القرنان بناء العديد من المستشفيات وظهور الاكتشافات الطبِّيَّة الجديدة؛ مثل اكتشاف الدورة الدموية لابن النفيس..

كما ظهرت أيضًا الصلة الوثيقة بين الصيدلة والطبِّ؛ حيث كان الطبيب يُعِدُّ أدويته بنفسه
كما نجد ذلك عند ابن سينا، الذي خصَّص بعض أجزاء من كتابه (القانون) لدراسة الأدوية والعقاقير المهمَّة، التي يَعْتَمِد عليها في علاجه،

في هذا الجوِّ العلمي الرائع ظهرت مؤلَّفات ابن البيطار الرائدة في علم النبات والصيدلة؛ منها كتابه: (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية) الذي ألَّفه بعد دراسات عملية، قائمة على التجربة والمشاهدة كأساس لدراسة النبات والأعشاب والأدوية،
وقد شرح في مقدِّمة كتابه المنهجَ الذي اتَّبعه في أبحاثه قائلاً: ما صحَّ عندي بالمشاهدة والنظر، وثبت لديَّ بالمخبر لا بالخبر أخذتُ به، وما كان مخالفًا في القوى والكيفية والمشاهدة الحسِّيَّة والماهيَّة للصواب نبذْتُهُ ولم أعمل به .

وقد بيَّن ابن البيطار في كتابه (الجامع في الأدوية المفردة) أغراضَه من تأليف هذا الكتاب، ومنها يتجلَّى أسلوبُهُ في البحث، وأمانته العلميَّة عند النقل، واستناده على التجربة كمعيار لصحَّة الأحكام،
ثم بيَّن غرضه من تأليف هذا الكتاب فقال:
"استيعاب القول في الأدوية المفردة، والأغذية المستعملة على الدوام والاستمرار عند الاحتياج إليها في ليل كان أو نهار، مضافًا إلى ذلك ذكر ما ينتفع به الناس من شعار ودثار،
واستوعبت فيه جميع ما في الخمس مقالات من كتاب الأفضل ديسقوريدوس بنصِّه،

 وكذا فعلت أيضًا بجميع ما أورده الفاضل جالينوس في الستِّ مقالات من مفرداته بنصه،
 ثم ألحقتُ بقولهما من أقوال المُحْدَثِين في الأدوية النباتية والمعدنية والحيوانية ما لم يذكراه،
ووصفت فيها عن ثقات المُحْدَثِين وعلماء النباتيين ما لم يصفاه،
وأسندتُ في جميع ذلك الأقوالَ إلى قائلها، وعَرَّفْتُ طُرُقَ النقل فيها بذكر ناقلها، واختصصتُ بما تمَّ لي به الاستبداد، وصحَّ لي القول فيه ووضح عندي عليه الاعتماد" .

كما رتَّب ابن البيطار مفردات كتابه ترتيبًا أبجديًّا، مع ذكر أسمائها باللغات المتداوَلَة في موطنها، ويقول (جورج سارتون) عن هذا الكتاب:
 "وقد رتَّب ابن البيطار مؤلَّفَه (الجامع في الأدوية المفردة) ترتيبًا يستند على الحروف الأبجديَّة؛ لِيَسْهُلَ تناوله، وقد سرد أسماء الأدوية لسائر اللغات المختلفة، واعتمد علماء أوربا على هذا المؤلَّف حتى عصر النهضة الأوربية" .

كما دوَّن ابن البيطار أيضًا الأماكن التي يَنْبُتُ فيها الدواء، ومنافعه وتجاربه الشهيرة،
وكان يُقَيِّد ما كان يجب تقييده منها بالضبط والشكل والنقط تقييدًا يضبط نُطْقَهَا؛ حتى لا يقع الخطأ أو التحريف عند الذين ينسخون أو يطَّلعون عليه؛ وذلك لأهمِّيَّة الدواء وتأثير الخطأ على حياة الناس.

كما إنه دوَّن فيه كل الشروح والملاحظات المتعلِّقَة بتخزين النباتات وحفظها، وتأثير ذلك على الموادِّ الفعَّالة والمكوِّنات الغذائيَّة الموجودة فيها.

وقد احتوى كتاب ابن البيطار على شروح مفصَّلة لعدد كبير من الأدوية؛ بلغ 1400 دواء بين نباتي وحيواني ومعدني، ومنها 300 دواء جديد من ابتكاره الخاصِّ، معتمِدًا على مؤلَّفاتٍ أكثر من مائة وخمسين كتابًا؛ بينها عشرون كتابًا يونانيًّا، وقد بيَّن الخواصَّ والفوائد الطبِّيَّة لجميع هذه العقاقير، وكيفية استعمالاتها كأدوية أو كأغذية.

وقد تُرْجِمَ (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية) إلى عدَّة لغات، وكان يُدَرَّس في معظم الجامعات الأوربية حتى عهود متأخِّرة، وطُبِعَ بِعِدَّة لغات وبِعِدَّة طبعات،
وفي اللغة العربية طُبع عام (1874م) بمصر في أربعة أجزاء، ونشرته دار صادر في بيروت عام (1980م) في مجلَّدين، ويوجد العديد من المخطوطات لهذا الكتاب مُوَزَّعة في عدد من مكتبات العالم ومتاحفه.

وهناك كتاب آخر يُعَدُّ من إبداعات ابن البيطار العلمية، ألا وهو كتابه: (المغني في الأدوية المفردة)، الذي قسمه إلى عشرين فصلاً؛ يحتوي على بحث الأدوية التي لا يستطيع الطبيب الاستغناء عنها، ورتَّبت فيه الأدوية التي تُعَالِجُ كل عضو من أعضاء الجسد ترتيبًا مبسَّطًا، وبطريقة مختصرة ومفيدة للأطباء ولطلاب الطبِّ.

وقد اتَّسم أسلوب ابن البيطار العلمي بالنزعة النقدية، مع التزامه الكامل بالموضوعية والنزاهة العلمية،
ويتَّضح ذلك من خلال مناقشته لآراء السابقين عليه من العلماء والأطباء والعشَّابين،
 فلقد نقدهم في عدَّة أمور، وكان نقده بَنَّاءً؛ فهو يرفض الآراء التي يَثْبُتُ أن ناقلها قد انحرف عن سواء السبيل ومنهج العلماء السليم، أو لأنها لم تَثْبُتُ أمام مقاييسه العلمية التي يعتمد عليها، وهو لا يكتفي برفضها، بل إنه يتجاوز الرفض إلى توجيه النقد الشديد إلى الناقل أو القائل؛ لأنه افترى على الحقِّ.

وأكبر دليل على نزعته النقدية كتابه: (الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخلل والأوهام)، الذي نقد فيه كتاب (منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان)، وهو الكتاب الذي جمع فيه ابن جزلة (ت493هـ) الأدوية والأغذية والأشربة؛ حيث نبَّه ابن البيطار على أخطائه، وما غلط فيه من أسماء الأدوية؛
 حيث يقول في مُقَدِّمَتِه:
"أمَّا بعد فإنه ما أشار عليَّ -مَنْ خَلُصَتْ بإرادة الخير لي نِيَّتُه، وندبني إلى ما رجوت- أن أتعرض لبعض الكتب الموضوعة في الحشائش والأدوية المفردة، فأستطلع بسائط أدويته، وأتعقب ما جرى فيها من التباس أو غلط، وأُعْلِمُ بما وقع فيه من الأوهام في الأسماء والمنافع، فوضعتُ في ذلك مقالة تشتمل معناها على وفاء المقصود، معتمِدًا على يقين صحيح، أو تجربة مشهودة، أو علم متحقّق" .

وله أيضًا في ذلك كتاب: (شرح أدوية كتاب ديسقوريدس)، وهو عبارة عن قاموس بالعربية والسريانية واليونانية والبربرية، وبه شرح للأدوية النباتية والحيوانية، وله أيضًا (الأفعال الغريبة والخواص العجيبة).

آراء علماء الغرب فيه
لقد شهد العديد من علماء الغرب بعبقرية ابن البيطار العلمية؛ حيث تقول المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه:
"إن ابن البيطار من أعظم عباقرة العرب في علم النبات؛ فقد حوى كتابه: (الجامع) كل علوم عصره، وكان تحفة رائعة تنمُّ عن عقل علمي حيٍّ؛ إذ لم يكتفِ بتمحيص ودَرْس وتدقيق 150 مرجعًا من سالفيه -الذين اعتمد عليهم في بحوثه- بل انطلق يجوب العالم بحثًا عن النباتات الطبية؛ فيراها بنفسه ويتيقَّن منها، ويُجْرِي تجارِبه عليها،
 إلى أن وصل به الأمر ليبتكر 300 دواءٍ جديدٍ من أصل 1400 دواء التي تضمَّنها كتابه، مع ذكر أسمائها، وطرق استعمالها، وما قد ينوب عنها؛
كل هذا عبارة عن شواهد تُعَرِّفُنا تمامًا كيف كان يعمل رأس هذا الرجل العبقري" .

كما يصفه المستشرق ماكس مايرهوف فيقول:
 "إنه أعظم كاتب عربي خُلِّد في علم النبات" ،
ويعترف جورج سارتون بقيمة كتابه (الجامع في الأدوية المفردة) قائلاً: "إنه خير ما أُلِّف في هذا الموضوع في القرون الوسطى، بل إنه لأضخم نتاج من نوعه منذ ديسقوريدس حتى منتصف القرن السادس عشر" .

وفاته
وقد توفِّي ابن البيطار رحمه الله بدمشق سنة (646هـ/ 1248م)، ولكن ما زالت آثاره باقية حتى الآن، شاهدة على عبقريته العلمية النادرة.
....................
لتحميل كتاب (الجامع لمفردات الأدويه والاغذيه) بصيغه pdf
.............
لتحميل كتاب (الجامع لمفردات الأدويه والاغذيه) بصيغه word

...............

الأحد، 22 ديسمبر، 2013

آثار الحضارة الإسلامية في التاريخ – د. مصطفى السباعي (2/2)


آثار الحضارة الإسلامية في التاريخ – د. مصطفى السباعي (2/2)

ثالثها: في ميدان اللُّغة والأدَب: 

فقد تأثر الغَربيُّون -خاصَّة شعراء الإسبان- بالأدَب العَربي تأثرًا كبيرًا؛ فقد دخل أدب الفُرُوسيَّة والحماسة، والمجاز والتَّخيُّلات الراقية البديعة إلى الآدَاب الغَربية، عن طريق الأدَب العَربي في الأندَلس على الخصوص؛

 يقول الكاتب الإسباني المشهور "أبانيز": "إنَّ أوربا لم تكن تعرف الفُرُوسيَّة، ولا تدين بآدابها المرعيَّة، ولا نخوتها الحماسيَّة قبل وفود العَرب إلى الأندلس، وانتشار فُرسانهم وأبطالهم في أقطار الجنوب".

ويدلنا على مدى تأثر الادباء الغربيين بالعربيه وادابها فى تلك العصور مانقله لنا دوزي في كتابه عن الاسلام من رساله ذلك الكاتب الاسبانى (الغارو) الذى كان يأسي أشد الأسي لاهمال لغة اللاتين والاغريق والاقبال على لغه المسلمين
فيقول ( ان ارباب الفطنه والتذوق سحرهم رنين الادب العربي فاحتقروا اللاتينيه وجعلوا يكتبون بلغة قاهريهم دون غيرها)

وساء ذلك معاصرا كان على نصيب من النخوه الوطنيه أوفي من نصيب معاصريه فأسف على ذلك مُرّ الاسف وكتب يقول:
( ان اخوانى المسيحيين يعجبون بشعر العرب واقاصيصهم ويدرسون التصانيف التى كتبها الفلاسفه والفقهاء المسلمون ولا يفعلون ذلك لادحاضها والرد عليها بل لاقتباس الاسلوب العربي الفصيح
فأين اليوم – من غير رجال الدين – من يقرأ التفاسير الدينيه للتوراه والانجيل؟
وأين اليوم من يقرأ الأناجيل وصحف الرسل والأنبياء؟ واأسفاه!
إن الجيل الناشىء من المسيحيين الأذكياء لا يحسنون أدبا أو لغه غير الأدب العربي واللغه العربيه
وانهم ليلتهمون كتب العرب ويجمعون منها المكتبات الكبيره بأغلى الاثمان ويترنمون فى كل مكان بالثناء على الذخائر العربيه
فى حين يسمعون بالكتب المسيحيه فيأنفون من الاصغاء اليها محتجين بانها شيء لا يستحق منهم مؤنة الالتفات.
فيا للأسى! إن المسيحيين قد نسوا لغتهم فلن تجد فيهم اليوم واحدا فى كل ألف يكتب خطابا الى صديق
أما لغه العرب فما اكثر الذين يحسنون التعبير بها على احسن اسلوب
وقد ينظمون بها شعرا يفوق شعرالعرب انفسهم فى الاناقه وصحه الاداء)

ومِن عباقرة الأدَب في أوربا في القرن الرابع عشر وما بعده - مَن لا يُشَكُّ أبدًا في تأثير الآدَاب العَربية على قصصهم وآدابهم؛
ففي سنة 1349هـ كتب "بوكاشيو" حكاياته المُسماة بـ "الصباحات العشرة"، وهي تَحذو حذو ألف ليلة وليلة، ومنها اقتبس شكسبير موضوع مسرحيته "العبرة بالخواتيم"، كما اقتبس لسنغ الألماني مسرحيته "ناتان الحكيم".
وكان شوسر إمام الشعر الحديث في اللغة الإنجليزية أكبر المقتبسين من بوكاشيو في زمانه؛ فقد لَقِيَه في إيطاليا، ونظم بعد ذلك قصصه المشهورة باسم (حكايات كانتربري).
أما (دانتي)، فيؤكد كثيرٌ من النُّقاد أنَّه كان في (القصَّة الإلهيَّة) -التي يصف فيها رحلتَه إلى العالم الآخر- متأثرًا برسالة الغفران للمعرِّي، ووصف الجنة لابن عربي.

ذلك انه اقام فى صقليه على عهد الامبراطور فريدريك الثاني الذى كان مولعا بالثقافه الاسلاميه ودراستها في مصادرها العربيه وقد دارت بينه وبين داتني مساجلات فى مذهب ارسطو كان بعضها مستمدا من الاصل العربي
وكان دانتي يعرف شيئا غير قليل من سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) فاطلع منها على قصة المعراج والاسراء ووصف السماء.

أما بترارك فقد عاش في عصر الثقافه العربيه بايطاليا وفرنسا وطلب العلم في جامعتي مونبلييه وباريس وكلتاهما قامتا على مؤلفات العرب وتلاميذهم في الجامعات الاندلسيه.

وقد تأثرت القصَّة الأوربيَّة في نشأتها بما كان عند العَرب من فنون القصص في القُرُون الوسطى، وهي المقامات، وأخبار الفُرُوسيَّة، ومُغامرات الفرسان في سبيل المجد والعِشق،

وكان لألف ليلة وليلة -بعد ترجمتها إلى اللُّغات الأوربيَّة في القرن الثاني عشر- أثرٌ كبيرٌ جدًّا في هذا المجال؛ حتَّى إنها طُبعت منذ ذلك الحين حتَّى الآن أكثر من ثلاثمائة طبعَة في جميع لُغات أوربا؛

 حتى لَيرى عددٌ من النُّقاد الأوربيين أن رحلات (جليفر) التي ألَّفها (سويفت)، ورحلة (روبنسون كروزو) التي ألفها (ديفوه) - مدينة لألف ليلة وليلة، ولرسالة "حي بن يقظان" للفيلسوف العَربي ابن طفيل.
ولايشك أحد فى ان هذه الكثره الهائله لطبعات ألف ليله وليله دليل على اقبال الغربيين على قراءتها ومن ثم التأثر بها.

ولا حاجة بنا إلى أنْ نذكر ما دَخَل اللُّغات الأوربية على اختلافها منْ كلمات عربيَّة في مُختلف نواحي الحَيَاة؛ حتَّى إنها لتكاد تكون كما هي في اللُّغة العَربية:
 كالقطن، والحرير الدِّمشقي، والمسك، والشراب، والجرة، والليمون، والصِّفر، وغيرها مِمَّا لا يُحصى.

وحسبنا فى هذا المقام قول للاستاذ ماكييل :
(كانت أوربا مدينه بأدبها الروائي الى بلاد العرب والى الشعوب العربيه الساكنه فى النجد العربي السوري تدين بأكبر قسم أو بالدرجه الرئيسيه لتلك القوى النشيطه التى جعلت القرون الوسطي الاوربيه مختلفه روحا وخيالا عن العالم الذى كان يخضع لروحه)

رابعها: في ميدان التَّشريع: 

فقد كان لاتِّصال الطُّلاب الغَربيِّين بالمدارس الإسلامية في الأندلس وغيرها - أثرٌ كبيرٌ في نقل مجموعة من الأحكام الفقهيَّة والتشريعيَّة إلى لُغاتِهم،

ولم تكن أوربا في ذلك الحين على نظام مُتقن ولا قوانين عادلة؛
 حتَّى إذا كان عهد نابليون في مصر ترجمَ أشهر كُتُب الفقه المالكي إلى اللُّغة الفرنسيَّة،
ومن أوائل هذه الكتب "كتاب خليل"، الذي كان نواة القانون المدني الفَرَنسي،
وقد جاء مُتشابهًا إلى حدٍّ كبير مع أحكام الفقه المالكي،

 يقول العلامة "سيديو": "والمذهب المالكي هو الذي يستوقفُ نظرنا على الخُصُوص؛ لما لنا من الصِّلات بعرب إفريقيَّة، وعهدت الحُكُومة الفرنسيَّة إلى الدكتور بيرون في أن يُترجم إلى الفرنسيَّة كتاب "المختصر في الفقه"، للخليل بن إسحاق بن يعقوب المتوفى سنة 1422م".

خامسها: في مفهوم الدَّولة وعلاقة الشَّعب بالحكومة: 

فقد كان العالم القديم والوسيط يُنكر على الشَّعب حقَّه في الإشراف على أعمال حُكَّامه،
كما يجعلون الصِّلة بينه وبين الحاكم صلةً بين العبد وسيِّده،

 فالحاكم هو السيد المطلق يتصرَّف بالشَّعب كما يشاءُ،
وكانت المملكة تُعدُّ ملكًا خاصًّا للملك تُورثُ عنه كما تورث بقيَّة أمواله،
ويستبيحون من أجل ذلك أن تقوم الحرب بين دولة وأخرى من أجل المُطالبة بحصة أميرة في العرش، أو للخلاف على ميراث الأصهار.

أمَّا العلاقة بين الأمم المُتحاربة، فهي استباحة الغالب لكُلِّ ما في يد المغلوب، وما في وطنه من مال وعِرض وحُرِّية وكرامَة،

وظَلَّ الأمر كذلك حتَّى قامت الحضارة الإسلامية تعلن فيما تعلن من مبادئها:
 أن الشَّعب هو صاحب الحقِّ في الإشراف على حُكَّامه،
وأن هؤلاء ليسوا إلاَّ أُجَرَاء يسهرون على مصالح الشَّعب وكرامَته بأمانة ونزاهة،

 وفي هذا يقع لأول مرَّة في التاريخ أن يحاسب فردٌ من أفراد الشَّعب حاكمَه عما يلبس، من أين جاء به؟
 فلا يحكم عليه بالإعدام، ولا يُقاد إلى السجن، ولا يُنفَى من الأرض؛
ولكن يقدم له الحاكم حسابه حتَّى يقتنع ويقتنع الناس!،

ولأول مرَّة في التاريخ يقول أحد أفراد الرَّعيَّة لحاكمِه الأكبر: السَّلام عليك، أيُّها الأجير!،
 فيعترف الحاكمُ بأنَّه أجير الشَّعب، عليه ما على الأجير من حقِّ الخدمة بإخلاص، والنصح بأمانة،

 أعلنت الحضارة الإسلامية هذا فيما أعلنته وطبَّقته بعد ذلك، فما هي إلا نسمة الحرية والوعي تهبُّ في الشعوب المجاورة للمُجتمع الإسلامي، فتتململ، ثم تتحرَّك، ثم تثور، ثم تتحرَّر
.
وهذا ما وقع فى اوربا فلقد جاء الغربيون الى بلاد الشام في الحروب الصليبيه ورأوا من قبل في ممالك الخلافه الاندلسيه ان الشعوب تراقب حكامها وأن الحكام لا تخضع لاشراف احد غير شعبها

وقارن الملوك الغربيون بين تحرر ملوك العرب والمسلمين من سلطان اى طبقه الا مجموع الشعب
وبين خضوعهم هم لسلطان روما وتخويفهم بالحرمان والطرد بين ساعه واخرى اذا لم يقدموا خضوعهم لملك روما الديني !
فثاروا بعد رجوعهم الى بلادهم حتى تحرروا ثم ثارت شعوبهم عليهم حتى تحررت

وكانت الثوره الفرنسيه بعد ذلك فلم تعلن من المبادىء أكثر مما أعلنته حضارتنا قبل اثني عشر قرنا!.

وكان مما أعلَنَتْه حضارتنا في حُرُوبها: احترام العهود، وصيانة العقائد، وترك المعابد لأهلها، وضمان حُرِّيات النَّاس وكرامتهم، فأثارت في الشُّعوب المغلوبة لحكمها روح العِزَّة والكرامة، ونبهت فيهم معاني الإنسانية الكريمة العزيزة.

وكان في التاريخ لأول مرَّة أن يشكوَ والدُ مغلوبٍ الحاكمَ الغالبَ إلى رئيسِ الدَّولة الأعلى، من أنَّ ولدَ الحاكمِ قد ضرب ولده الصَّغير خفقتَين بالسَّوط على رأسه من غير حق، ويغضب رئيس الدَّولة الأعلى، ويحاسب ولد الحاكم ويقتَص منه، ويقرع الحاكم ويؤنبه، ويقول له: "متى استعبدتم النَّاسَ وقد ولدتهم أمَّهاتُهم أحرارًا؟! ".
إنَّ هذه روح جديدة تبعثُها حضارتُنا في الأفراد والشعوب
وقد كان هذا الوالد الذى شكا ضرب ولده كان قبل حكمنا وحضارتنا يعذب ويضرب ويسلب ماله ويضطهد في عقيدته فلايثور ولا يتألم ولا يحس بالعزة والكرامه حتى اذا اشرقت عليه شمس حضارتنا رفع صوته ليقول لأمير المؤمنين : أنا عائذ بالله وبك من الظلم
وماكان الظلم الذى اشتكاه سفك دم ولا انتهاك عرض ولا سلب دين ولا اغتصاب ارض وانما ضربتين من ولد صغير لولده الصغير!

ان الغربيين اتصلوا بحضارتنا فى القرون الوسطى عن طريق بلاد الشام وعن طريق الاندلس وكانوا قبل اتصالهم بنا لا يعرفون ثوره ملك على رئيس دين ولا انتفاضه شعب على ملك ولا يجدون ان من حقهم ان يحاسبوا حاكما او ينصروا مظلوما

وكانوا حين يختلف بعضهم مع بعض فى العقيده والمذهب يذبح بعضهم بعضا كما يذبح الجزار غنمه!
فلما اتصلوا بنا بدات نهضتهم وثورتهم ثم كان تحررهم
فهل ينكر بعد هذا أثر حضارتنا فى تحرير العالم وانقاذ الشعوب؟.

وبعد، فهذه هي بعض الآثار الخالدة لحضارتنا في خمسة ميادين رئيسية هي أبرز مظاهر الحياة في الأمم والحضارات..

ومن أجل ذلك كان لنا نحن أبناء هذه الحضارة دَين على الشعوب التي حررتها حضارتنا، يجب أن نسترده لا بالتفاخر الكاذب، ولا بالأماني والأباطيل، بل بمعرفتنا، لقدر أنفسنا، وقيمة حضارتنا وسمو تراثنا، واستحقاقنا لأن نكون الأمة الوسط التي تشهد على الناس، وتقودهم إلى الخير والحق والكرامة ولعلنا فاعلون إن شاء الله.
.......................
تابع الجزء الاول من المقال
آثار الحضارة الإسلامية في التاريخ – د. مصطفى السباعي (1/2)
..........
المصدر:
من كتاب (من روائع حضارتنا) للدكتور مصطفى السباعي

.................

السبت، 21 ديسمبر، 2013

آثار الحضارة الإسلامية في التاريخ – د. مصطفى السباعي (1/2)


آثار الحضارة الإسلامية في التاريخ – د. مصطفى السباعي (1/2)

تكلَّمنا في الحَدِيث الماضي عن الخصائص البارزة للحضارة الإسلامية،

وقلنا: إنَّ الحضارات إنَّما تخلُد بمقدار ما تُقدمه في تاريخ الإنسانيَّة من آثار خالدة في مُختلف النَّواحي الفِكرية، والخلقية، والمادية،
كما قلنا: إنَّ الحضارة الإسلامية لعبت دورًا خطيرًا في تاريخ التقدُّم الإنساني، وتركت في ميادين العقيدة والعلم، والحكم والفلسفة، والفن والأدَب وغيرها - آثارًا بعيدة المدى، قويةَ التأثير فيما وصلت إليه الحضارة الحديثة،
 فما الآثار؟ وما أهميتها؟

نستطيع أن نجمل الآثار الخالدة للحضارة الإسلامية في ميادين خمسة رئيسة: 

أولها: في مَيدان العقيدة والدِّين: 

فقد كان لمبادئ الحضارة الإسلامية أثرٌ كبيرٌ في حركات الإصلاح الدِّينية التي قامت في أوربا، مُنذ القرن السابع حتَّى عصر النَّهضة الحديثة؛
 فالإسلام الذي أعلن وحدانية الله، وانفراده بالسُّلطان، وتنزيهه عن التجسيم والظلم والنَّقص،
كما أعلن استقلال الإنسان في عبادته وصلته مع الله، وفهمه لشرائعه دون وساطة رجال الدِّين - كان عاملاً كبيرًا في تفتُّح أذهان الشُّعوب إلى هذه المبادئ القويَّة الرَّائعة،

 وقد كانت الشُّعوب يومئذ تَرسُف في أغلالٍ من الخصام المذهبي العنيف، والخضوع لسُلطان رجال الدِّين على أفكارهم وآرائهم وأموالهم وأبدانِهم،
 فمن الطَّبيعي -وقد وصلت فُتوحاته في الشَّرق والغَرب إلى ما وصلت إليه- أن تتأثر الأمم المجاورة له بمبادئه في العقيدة قبل كلِّ شيء،

وهذا ما حدث فعلاً؛ إذ قام في القرن السابع الميلادي في الغَربيِّين من ينكر عبادة الصُّور،
ثم قام بعدهم من يُنكر الوساطة بين الله وعباده، ويدعو إلى الاستقلال في فهم الكتب المقدَّسة بعيدًا عن سلطان رجال الدين ومُراقبتهم.

ويُؤكد كثيرٌ من الباحثين أن (لوثر) في حركته الإصلاحيَّة كان متأثرًا بما قرأه للفلاسِفَة العَرب، والعلماء المسلمين من آراء في الدين والعقيدة والوحي،
وقد كانت الجامعات الأوربية في عصره لا تزالُ تعتمد على كُتُب الفلاسِفَة المُسلمين، التي ترجمت مُنذ عهد بعيد إلى اللاتينية،

ونستطيع أن نؤكِّد أنَّ حركة الفصل بين الدِّين والدولة، التي أُعلنت في الثورة الفرنسية كانت وليدة الحركات الفِكرية العنيفة التي سادت أوربا ثلاثة قرون أو أكثر،
 وكان للحضارة الإسلامية فضل في إيقاد جذوتها عن طريق الحُرُوب الصليبية والأندلس.

ثانيها: في مَيدان الفلسفة والعلوم، من طب ورياضيات وكيمياء وجغرافيا وفلك: 

فلقد أفاقت أوربا على صوت علمائنا وفلاسفتنا يدرِّسون هذه العلوم في مساجد إشبيلية وقرطبة وغرناطة وغيرها،
وكان روَّاد الغَربيين الأُول بمدارسنا شديدي الإعجاب والشغف بكُلِّ ما يستمعون إليه من هذه العلوم، في جوٍّ من الحرِّية لا يعرفون له مثيلاً في بلادهم؛

ففي الوقت الذي كان فيه علماؤنا يتحدَّثون في حلقاتهم العلميَّة ومؤلفاتهم عن دوران الأرض وكرويَّتها، وحركات الأفلاك والأجرام السماويَّة - كانت عقول الأوربيين تمتلئ بالخرافات والأوهام عن هذه الحقائق كُلِّها.

ومن ثَمَّ ابتدأت عند الغَربيين حركة التَّرجمة من العَربية إلى اللاتينية، وغدت كُتُب علمائنا تُدرَّس في الجامعات الغَربية؛

فقد تُرجم كتاب (القانون) في الطبِّ لـ ابن سينا في القرن الثاني عشر،
 كما تُرجم كتاب (الحاوي) للرَّازي -وهو أوسع من القانون وأضخم- في نهاية القرن الثالث عشر،
 وظل هذان الكتابان عمدة لتدريس الطب في الجامعات الأوربية حتَّى القرن السادس عشر،

 أمَّا كتب الفلسفة فقد استمرت أكثر من ذلك، ولم يعرف الغَرب فلسفة اليونان إلاَّ عن طريق مُؤلفاتنا وترجماتنا،
 ومن هنا يعترف كثير من الغَربيِّين المُنصفين بأنَّنا كنا في القرون الوسطى أساتذة أوربا مدةً لا تقل عن ستمائة سنة.

قال العلامه جوستاف لوبون (ظلت ترجمات كتب العرب ولا سيما الكتب العلميه المصدر الوجيد تقريبا للتدريس في جامعات أوربا خمسه قرون أو سته قرون
ويمكننا أن نقول ان تأثير العرب فى بعض العلوم كعلم الطب مثلا دام الى ايامنا فقد شُرحت كتب ابن سينا فى مونبلييه في أواخر القرن الماضي)

ويقول هذا العالم ايضا ( على كتب العرب وحدها عوّل روجر بيكون وليونارد البيزي وأرنو الفيلفوفي و ريمون لول وسان ثوما وألبرت الكبير و الأذفوش العاشر القشتالي)

قال مسيو رينان ( ان البرت الكبير مدين لابن سينا وسان توما مدين فى فلسفته لابن رشد)

ويقول العلاَّمة المستشرق "سيديو": "كان العَرب وحدَهم حاملين لواءَ الحضارة الوسطى، فدحروا بربرية أوربا التي زلزلتها غاراتُ قبائل الشمال،
وسار العَرب إلى منابع فلسفة اليونان الخالدة، فلم يقفوا عند حدِّ ما اكتسبوه من كُنُوز المعرفة، بل وسعوه وفتحوا أبوابًا جديدة لدرس الطبيعة".
ويقول أيضًا: "والعَرب حين زاولوا علم الهيئة عُنُوا عناية خاصَّة بالعلوم الرياضية كلِّها؛ فكان لهم فيها القدح المعلَّى، فكانوا أساتذة لنا في هذا المضمار بالحقيقة".

ويقول : ( واذا بحثنا فيما اقتبسه اللاتين من العرب في بدء الأمر وجدنا ان جربرت الذى اضحى بابا باسم سلفستر الثاني أدخل الينا بين سنه 970 و سنه 980 ما تعلمه فى الاندلس من المعارف الرياضيه

وان اوهيلارد الانجليزي طاف بين سنه 1100 و سنه 1128 في الأندلس ومصر فترجم من العربيه كتاب الاركان لاقليدس الذى كان الغرب يجهله
وان افلاطون التيقولى ترجم من العربيه كتاب الأُكَر لثاذوسيوس
وأن رودلف البروجي ترجم من العربيه كتاب الجغرافيا فى المعمور من الارض لبطليموس
وأن ليونارد البيزي ألف حوالى 1200 رساله فى الجبر الذى تعلمه عن العرب
وأن كنيانوس النبري ترجم عن العرب فى القرن الثالث عشر كتاب اقليدس ترجمه جيده شارحا له
وان قيتليون البولوني ترجم كتاب البصريات للحسن بن الهيثم في ذلك القرن
وأن جيرارد الكريموني أذاع في ذلك القرن ايضا علم الفلك الحقيقي المتين بترجمته المجسطي لبطليموس والشرح لجابر إلخ..
وفي سنه 1250 أمر الأذفونش القشتالى بنشر الأزياج الفلكيه التى تحمل اسمه

وإذا كان روجر الأوَّل قد شجَّع على تحصيل علوم العَرب في صقلية، لا سيَّما كتب الإدريسي
- فإنَّ الإمبراطور فردريك الثاني لم يَبدُ أقل حضًّا على دراسة علوم العَرب وآدابهم،
وكان أبناءُ ابن رشد يُقيمون ببلاط هذا الإمبراطور، فيعلمونه تاريخ النباتات والحيوانات الطبيعي،

ويقول "هومبلد" في كتابه عن الكون: "والعَرب هم الذين أوجدوا الصَّيْدَلَةَ الكيماوية،
ومن العَرب أتت الوصايا المُحكَمة الأولى التي انتحلتها مدرسة (ساليرم)، فانتشرت في جنوب أوربا بعد زمَن،
وأدَّت الصيدلة ومادة الطب اللتان يقوم عليهما فنُّ الشفاء إلى دراسة علم النبات والكيمياء في وقت واحدٍ، ومن طريقين مُختَلِفين، وبالعَرب فُتِحَ عهدٌ جديد لذلك العلم
وأوجبت خبره العرب بالعالم النباتي اضافتهم الى اعشاب ذليفوريدس ألفي نبات واشتمال صيدليتهم على عدة أعشاب كان يجهلها الاغريق جهلا تاما".

ويقول "سيديو" عن الرازي وابن سينا: "إنَّهما سيطرا بكُتُبهما على مدارس الغَرب زمنًا طويلاً،
 وعُرف ابن سينا في أوربا طبيبًا؛ فكان له على مدارسها سلطان مطلق مدَّة ستة قرون تقريبًا،
فتُرجِم كتابه (القانون) المشتمل على خمسة أجزاء، وطُبع عدَّة مرات؛ لِعَدِّه أساسًا للدراسات في جامعات فرنسا وإيطاليا".
.................
الجزء الثاني من المقال تم نشره بالفعل- بفضل الله.
آثار الحضارة الإسلامية في التاريخ – د. مصطفى السباعي (2/2)
http://marwa-elsherbiny.blogspot.com/2013/12/22_22.html
..........
المصدر:
من كتاب (من روائع حضارتنا) للدكتور مصطفى السباعي

.................