السبت، 20 مارس 2010

عمرو بن العاص (رضى الله عنه).. فاتح مصر- 3


عمرو بن العاص (رضى الله عنه).. فاتح مصر- 3

......................................
الموضوع منقول من موقع الدكتور راغب السرجاني
http://www.islamstory.com/
.....................
.....................
عمرو بن العاص.. شبهات وردود

قلما تجد فاضلا ليس له حساد ومفترون، وهذا الأمر لم يسلم منه عمرو بن العاص رضي الله عنه؛ فقد اختُلق في حقه قصة باطلة بصفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما!!

يقول نصر بن مزاحم الكوفي: وحمل أهل العراق وتلقاهم أهل الشام فاجتلدوا، وحمل عمرو بن العاص فاعترضه علي وهو يقول:
قد علمت ذات القرون الميل ... والخضر والأنامل الطفول

إلى أن يقول: ثم طعنه فصرعه، واتقاه عمرو برجله فبدت عورته، فصرف علي وجهه عنه وارتُثَّ، فقال القوم: أفلت الرجل يا أمير المؤمنين، قال: وهل تدرون من هو؟ قالوا: لا، قال: فإنه عمرو بن العاص، تلقاني بعورته فصرفت وجهي!!

وذكر القصة أيضًا ابن الكلبي، كما ذكرها السهيلي في الروض الأنف، وقال عن قول علي (إنه اتقاني بعورته فأذكرني الرَّحِمَ): "ويروي مثل ذلك عن عمرو بن العاص مع علي رضي الله عنه يوم صفين،
وفي ذلك يقول الحارث بن النضر الشهمي رواه ابن الكلبي وغيره:
أفي كل يوم فارس غير منته ... وعورته وسط العجـاجة بادية
يكف لها عنه عليٌّ سـنانه ... ويضحك منه في الخلاء معاوية!!

والرد على هذا الافتراء والإفك المبين كالآتي:

فراوي الرواية الأولى نصر بن مزاحم الكوفي صاحب وقعة صفين شيعي جَلْد، لا يستغرب عنه كذبه وافتراؤه على الصحابة، قال عنه الذهبي في الميزان: نصر بن مزاحم الكوفي رافضي جَلْد، متروك،
قال عنه العقيلي: شيعي، في حديثه اضطراب وخطأ كثير،
وقال أبو خيثمة: كان كذابًا، وقال عنه ابن حجر: قال العجلي: كان رافضيًا غاليًا، ليس بثقة ولا مأمون.
وأما الكلبي هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فقد اتفقوا على غلوه في التشيع..
قال الإمام أحمد: من يحدث عنه؟!! ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه!!.. وقال الدارقطني: متروك.

وعن طريق هذين الرافضين سارت هذه القصة في الآفاق، وتلقفها من جاء بعدهم من مؤرخي الشيعة وبعض أهل السنة ممن راجت عليهم أكاذيب الرافضة،
وتُعدُّ هذه القصة أُنموذجًا لأكاذيب الشيعة الروافض وافتراءاتهم على صحابة رسول الله،
فقد اختلق أعداء الصحابة من مؤرخي الرافضة مثالب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاغوها على هيئة حكايات وأشعار لكي يسهل انتشارها بين المسلمين، هادفين إلى الغَضِّ من جناب الصحابة الأبرار رضي الله عنهم في غفلة من أهل السنة الذين وصلوا متأخرين إلى ساحة التحقيق في روايات التاريخ الإسلامي، بعد أن طارت تلكم الأشعار والحكايات بين القصاص، وأصبح كثير منها من المسلمات، حتى عند مؤرخي أهل السنة للأسف!!

ولاية عمرو بن العاص على مصر

وَلَّى معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص على مصر، عام 41هـ، وهذا من باب وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فعمرو فاتح مصر وواليها على عهد عمر وعثمان رضوان الله عليهم وهو أقرب الناس لتولي هذه الولاية المهمة..

وقد تكاثرت الروايات الموضوعة والضعيفة في العلاقة بين عمرو ومعاوية رضي الله عنهما، واشتمل على مغامز خفية ومعلنة على الرجلين، وتشير بعضها إلى أن معاوية قد أعطى ولاية مصر لعمرو بن العاص مكافأة له نظير وقوفه إلى جانبه أثناء الفتنة التي أعقبت استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه،
وفي ذلك يقول الدكتور علي محمد الصلابي: "وهذا الأمر قد بينته في كتابي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن وقوف عمرو بن العاص مع معاوية في المطالبة بالتعجيل بتطبيق القصاص على قتلة عثمان لم يكن تضامنًا من عمرو مع شخص معاوية، بل كان نابعًا من اجتهاد عمرو الشخصي في هذه المسألة، حيث رأى رضي الله عنه الأخذ بالقوة من قتلة عثمان على الفور، فكان هذا الاجتهاد من عمرو بن العاص متطابقًا مع اجتهاد معاوية بن أبي سفيان في القضية نفسها"..

وقد كانت ولاية عمرو بن العاص رضي الله عنه على مصر ذات صلاحيات واسعة بسبب ما كان يتمتع به من مقدرة إدارية فائقة، وقابليات سياسية وعسكرية متميزة، فقد واصل فتوحات الشمال الأفريقي ونظم أمر العطاء والإعمار والبناء والزراعة والري بمصر، وقد بقي في ولاية مصر حتى وفاته عام 43هـ.

إعطاء مصر طُعْمَة لعمرو بن العاص

تتعدد الروايات التي تنص على أن معاوية أعطى مصر طعمة لعمرو بن العاص لقاء تأييد الأخير له في حربه ضد علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم!!

وجُلُّ هذه الأخبار تحوي روحًا عدائية لعمرو ومعاوية، وتصور اتفاقهما على حرب علي، كما لو كانت مؤامرة دنيئة أو صفقة مريبة، خان فيها الرجلان ربهما، ودينهما، وتاريخهما، مقابل عَرَضٍ زائل أو نصر سريع، وكأنه من المستحيل أن يبذل ابن العاص رضي الله عنه نصرة لقضية اجتمع حولها آلاف الرجال من الشام وغيرها، وهي الطلب بدم عثمان إلا إذا نال ولاية مصر وخراجها لنفسه.

وبعض هذه الروايات تحوي سبابًا لهذين الصحابيين، كأن تزعم أن عمرًا فضل ولاية مصر على حُسنَى الآخرة وصرح بذلك؛ فقال: "إنما أردنا هذه الدنيا"، أو أنه قال لمعاوية: "لا أعطيك من ديني حتى آخذ من دنياك"، أو قوله: "إنما أُبايعك بها ديني" (أي بمصر) أو قوله لمعاوية: "ولولا مصر وولاياتها لركبت المنجاة منها؛ فإني أعلم أن علي بن أبي طالب على الحق وأنت على ضده".. إلى غير ذلك من الروايات.

وهي روايات باطلة وموضوعة عند المسعودي، وكتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة وغيرها، تمسخ عمرًا بن العاص إلى رجل مصالح، وصاحب مطامع وراغب دنيا.

وقد تأثر بالروايات الضعيفة والموضوعة والسقيمة مجموعة من الكتاب والمؤرخين، فأهووا بعمرو إلى الحضيض، كالذي كتبه محمود شيت خطاب، وعبد الخالق سيد أبو رابية، وعباس محمود العقاد الذي يتعالى عن النظر في الإسناد، ويستخف بقارئه، ويظهر له صورة معاوية وعمرو رضي الله عنهما بأنهما انتهازيان، صاحبا مصالح، ولو أجمع النقاد التاريخيون على بطلان الروايات التي استند إليها في تحليله فهذا لا يعني للعقاد شيئًا!!

فقد قال بعد أن ذكر روايات ضعيفة واهية لا تقوم بها حجة: "وليقل الناقدون التاريخيون ما بدا لهم أن يقولوا في صدق هذا الحوار، وصحة هذه الكلمات وما ثبت نقله ولم يثبت منه سنده ولا نصه، فالذي لا ريب فيه، ولو أجمعت التواريخ قاطبة على نقضه أن الاتفاق بين الرجلين، كان اتفاق مساومة ومعاونة على الملك والولاية، وأن المساومة بينهما كانت على النصيب الذي آل إلى كل منهما، ولولاه ما كان بينهما اتفاق"!!

وهناك عدة دلائل ترد على الروايات الضعيفة، والموضوعة والسقيمة التي لاقت رواجًا واستقرارًا في تشويه عمرو بن العاص ومعاوية بالظلم والبهتان، منها ما عرف من صحة إسلام وتقوى معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، وتاريخهما المضيء في خدمة دين الله منذ أسلما..

ففي معاوية يكفي دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: "اللهم اجعله هاديًا مهديًا، واهدِ به"،
وقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم علم معاوية الكتاب والحساب، وقه العذاب".
وأما عمرو بن العاص فقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان حيث قال: "أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص"،
وفي حديث آخر - كما قدمنا - قال: "ابنا العاص مؤمنان: عمرو وهشام"،
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وصدق عمرو، إن لعمرو عند الله لخيرًا كثيرًا".

وعلى هذا فإن بيعة عمرو لمعاوية في عهد عليّ كانت على الطلب بدم عثمان رضي الله عنه، فقد كان تأثُّر عمرو بمقتل عثمان عظيمًا، فعندما سمع خبر مقتل عثمان ارتحل راجلاً يبكي، ويقول: ياعثماناه أنعي الحياء والدين، حتى قدم دمشق، فقد كان من أقرب أصحابه وخلانه ومستشاريه، وكان يدخل في الشورى في عهد عثمان من غير ولاية،
ومضى إلى معاوية رضي الله عنهم ليتعاونا معًا على الاقتصاص من قتلة عثمان، والثأر للخليفة الشهيد،
لقد كان مقتل عثمان كافيًا لأن يحرك كل غضبه على أولئك المجرمين السفاكين، وكان لابد من اختيار مكان غير المدينة للثأر من هؤلاء الذين تجرؤوا على حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلوا خليفته على أعين الناس.

وأي غرابة أن يغضب عمرو لعثمان؟! وإن كان هناك من يشك في هذا الموضوع، فمداره على الروايات المكذوبة التي تصور عمرًا: كل همه السلطة والحكم..

ومن الدلائل على بطلان فرية إعطاء مصر طعمة لعمرو بن العاص ما ذكره أبو مخنف - أحد رواة الفرية السابقة - أن دفْع معاوية لجيشه إلى فتح مصر وأخذها من يد أنصار علي بن أبي طالب سنة 38هـ، وكان عمرو قائده في هذه الحملة، أنه كان يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب لعظم خراجها.. فكيف يهب معاوية ذلك الخراج كله لعمرو بن العاص وهو في مسيس الحاجة إليه؟!

ومن الدلائل أيضًا: أن معاوية كتب بعد استخلافه إلى عامله على خراج مصر وردان أن زد على كل امرئ من القبط قيراطًا، فرد عليه: كيف وفي عهدهم أن لا يزاد عليهم؟! ولم يل وردان خراج مصر لمعاوية إلا في ولاية عمرو بن العاص؛ لأن من ولوا مصر بعد موت عمرو، وهم: عتبة بن أبي سفيان، وعقبة بن عامر، ومسلمة بن مخلد، كانوا يتولون صلاتها وخراجها، وهذا الرواية صريحة قاطعة في الدلالة على اهتمام معاوية بزيادة حصيلة الخراج في مصر، وفي ولاية عمرو بن العاص عليها.

وهذا الاهتمام لا معنى له إلا إذا كان فائض الخراج في مصر يحمل إلى معاوية في دمشق ليواجه به وجوه الإنفاق المتنوعة، كما أن معاوية لم يكن يستحل أن يتنازل عن خراج مصر وهي من أغنى الأقاليم للدولة الإسلامية آنذاك لفرد واحد، وهو يعلم أنه حق الأمة كلها، وأنه لا يملك التنازل عنه،
وقد روى ابن تميمة عن عطية بن قيس قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطبنا يقول: إن في بيت ملكم فضلاً بعد أعطياتكم وإني قاسمه بينكم، فإن كان يأتينا فضل عام قابل قسمناه عليكم، وإلا فلا عتبة عليّ؛ فإنه ليس بمالي وإنما هو مال الله الذي أفاءَه عليكم.

وإذا أضفنا إلى ذلك ما نعرفه من تنافس الأمصار الإسلامية مع بعضها، ووجود معارضة للأمويين في مصر كانت حديثة العهد منذ تبعية مصر لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى دخلها عمرو بن العاص سنة 38هـ، لازددنا يقينًا أن أهلها لم يكونوا يقبلون ما يزعمه الرواة حول إعطائها طعمة لعمرو بن العاص رضي الله عنه..

وعلى ذات السبيل نذكر أن من رجال مصر من بذل في سبيل نصرة معاوية مثلما بذل عمرو بن العاص، إن لم يَفُقْهُ، كمعاوية بن حديج وأصحابه من العثمانية، وهؤلاء لا يقبلون بحال أن يمتاز عمرو عليهم كل هذا الامتياز،
ونذكر أن معاوية بن حديج هذا قد أرجع ابن أخت معاوية عبد الرحمن بن أم الحكم الذي ولاه معاوية مصر، من قبل أن يدخلها، ورفض أن يتولى إمارتهم، ورده إلى الشام على نحو غير كريم، فما استطاع معاوية أن يُغضِب ابن حديج.
...................................

الأربعاء، 10 مارس 2010

عمرو بن العاص (رضى الله عنه).. فاتح مصر- 2


عمرو بن العاص (رضى الله عنه).. فاتح مصر- 2

......................................
الموضوع منقول من موقع الدكتور راغب السرجاني
http://www.islamstory.com/
.....................
.....................
جهاده في حرب الردة

مات الرسول صلى الله عليه وسلم وعمرو بعمان، فأقبل حتى انتهى إلى البحرين فوجد المنذر بن ساوى في الموت،
ثم خرج عنه إلى بلاد بني عامر فنزل بقُرَّة بن هبيرة وهو يقدم رِجلاً إلى الردة ويؤخر أخرى ومعه جيش من بني عامر، فأكرم قرة مثواه، فلما أراد عمرو الرحلة خلا به قرة وقال: يا هذا، إن العرب لا تطيب لكم نفسًا بالإتاوة فإن أعفيتموها من أخذ أموالها فتسمع لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم،
فقال عمرو: أكفرت يا قرة؟! أتخوفنا بالعرب؟! فوالله لأُوطِئَنَّ عليك الخيل في حفش أمك (والحفش بيت ينفرد فيه النفساء).

ومر بمسيلمة الكذاب فأعطاه الأمان فقال له عمرو: "اعرض لي ما تقول"، فذكر مسيلمة بعض كلامه،
فقال عمرو: "والله إنك لتعلم إنك من الكاذبين" فتوعده مسيلمة.

ولما وصل عمرو المدينة وعقد أبو بكر أحد عشر لواء لحرب أهل الردة، عقد لعمرو وأرسله إلى قضاعة، وكان قد حاربهم في حياة النبي صلى الله عيه وسلم في غزوة ذات السلاسل، وكانت قضاعة قد ارتدت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم،
فلما أنفذ إليهم أبو بكر جيشًا بقيادة عمرو، سار عمرو بجيشه في الطريق الذي سلكه من قبل حتى وصل بلاد قضاعة، فأعمل السيف في رقابهم وغلبهم على أمرهم، فعادوا إلى الإسلام، وعاد هو إلى المدينة حاملاً لواء النصر.

جهاده في أرض الشام

رد أبو بكر عمرًا إلى عمله الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاه إياه في (عمان)، فلما أراد إرسال الجيوش لفتح أرض الشام كتب أبو بكر لعمرو:
"إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدك به أخرى؛ إنجازًا لمواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وليته، وقد أحببت أن أفرغك لما هو خير لك في الدنيا والآخرة، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك،
فكتب إليه عمرو: "إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به شيئًا إن جاءك من ناحية من النواحي"!!

فعقد أبو بكر لعمرو وأمره أن يسلك طريق (أيلة) عامدًا إلى فلسطين، وكان العقد لكل أمير من أمراء الشام في بدء الأمر ثلاثة آلاف رجل، فلم يزل أبو بكر يتبعهم الإمداد حتى صار مع كل أمير سبعة آلاف وخمسمائة،
وكان جيش عمرو مؤلفًا من أهل مكة والطائف وهوازن وبني كلاب،
وقال أبو بكر لعمرو: "قد وليتك هذا الجيش، فانصرف إلى أرض فلسطين وكاتب أبا عبيدة وانجده إذا أرادك ولا تقطع أمرًا إلا بمشورته"،
فأقبل عمرو على عمر بن الخطاب وقال له: "يا أبا حفص، أنت تعلم شدتي على العدو وصبري على الحرب، فلو كلمت الخليفة أن يجعلني أميرًا على أبي عبيدة، وقد رأيت منزلتي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لأرجو أن يفتح الله على يدي البلاد ويهلك الأعداء"،

فقال عمر بن الخطاب: "ما كنت بالذي أكلمه في ذلك؛ فإنه ليس على أبي عبيدة أمير، ولَأَبو عبيدة أفضل منزلة منك وأقدم سابقة منك، والنبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: أبو عبيدة أمين الأمة"،
فقال عمرو: "ما ينقص من منزلته إذا كنت واليًا عليه؟!"،
فقال عمر: "ويلك يا عمرو! إنك ما تطلب بقولك هذا إلا الرياسة والشرف"، فاتق الله ولا تطلب إلا شرف الآخرة ووجه الله تعالى"، فقال عمرو: "إن الأمر كما ذكرت".

وما كادت جيوش المسلمين تصل أرض الشام، حتى بعث هرقل قادته وجيوشه باتجاه قادة وجيوش المسلمين، فكان "تذارق" شقيق هرقل أمام عمرو على رأس جيش عدده تسعون ألفًا، ولكن قادة المسلمين فوتوا على الروم فرصة ضرب جيوش المسلمين على انفراد؛ إذ كاتبوا عمرًا: ما الرأي؟
فأجابهم: "إن الرأي لمثلنا الاجتماع، فإن مثلنا إذا اجتمعنا لا نغلب من قلة، وإذا نحن تفرقنا لا تقوم كل فرقة لمن استقبلها لكثرة عدونا"،
وكتبوا إلى أبي بكر فأجابهم مثل جواب عمرو وقال: "إن مثلكم لا يؤتى من قلة وإنما يؤتى العشرة آلاف من الذنوب، فاحترسوا منها، واجتمعوا باليرموك".

واجتمع المسلمون باليرموك، واجتمع الروم بها أيضًا، فنزل الروم (الواقوصة)، وهي على ضفة اليرموك خندقًا لهم، وانتقل المسلمون عن معسكرهم فنزلوا على طريق الروم وليس للروم طريق إلا عليهم،
قال عمرو: "أيها الناس، أبشروا، حصرت - والله - الروم، وقلما جاء محصور بخير".

وفي معركة اليرموك الحاسمة كان عمرو على الميمنة، فكان له أثر كبير على انتصار المسلمين في هذه المعركة،
وفي معركة فتح دمشق نزل عمرو بجيشه من ناحية باب (توما)، وبعد فتحها سار المسلمون نحو (فحل) وعليهم شرحبيل بن حسنة،
وكان عمرو وأبو عبيدة بن الجراح على المجنبتين، فانتصر المسلمون على الروم أيضًا.
كما شهد مع شرحبيل فتح (بيسان وطبرية)، وصالحا أهل الأردن.

وعلم عمرو أن الروم حشدوا جيوشهم وعلى رأسها قائد فلسطين أرطبون في أجنادين، فسار عمرو ومعه شرحبيل بن حسنة واستخلف على الأردن أبا الأعور السلمي، وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها غورًا، وكان قد وضع بالرملة جندًا عظيمًا و(بإيلياء) جندًا عظيمًا أيضًا، فلما بلغ عمر بن الخطاب الخبر قال: "رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، (يقصد عَمرًا) فانظروا عما نتفرج".

وكان معاوية بن أبي سفيان قد شغل أهل قيسارية عن عمرو، كما جعل عمرو علقمة بن حكيم الفارسي ومسروق العكي وجعل أبا أيوب المالكي بالرملة، فشغل هؤلاء القادة القوات الرومانية عن قوات عمرو الأصلية..

وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر على الأرطبون ولا تشفيه الرسل، فسار إليه بنفسه ودخل عليه كأنه رسول، ففطن به الأرطبون،
وقال: لا شك أن هذا هو الأمير أو من يأخذ الأمير برأيه؛ فأمر رجلا أن يقعد على طريقه ليقتله إذا مرَّ به،
وفطن عمرو إلى غدر الأرطبون فقال له: "قد سمعت مني وسمعت منك، وقد وقع قولك مني موقعًا، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكاتفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، وكنت على رأس أمرك"،
فقال الأرطبون: نعم، ورد الرجل الذي أمره بقتل عمرو،
فخرج عمرو من عند الأرطبون، فعلم الرومي بأن عمرًا خدعه، فقال: "خدعني الرجل! هذا أدهى الخلق!!"، وبلغت خديعته عمر ابن الخطاب فقال: "لله دَرُّ عمرو!"..

وقد عرف عمرو من استطلاعه الشخصي هذا نقاط الضعف في مواضع الروم، فهاجمهم واقتتلوا قتالاً شديدًا كقتال اليرموك حتى كثرت القتلى بينهم، ولكن أرطبون انهزم فأوى إلى (إيلياء) ونزل عمرو أجنادين، وانضم علقمة ومسروق وأبو أيوب إلى عمرو بأجنادين..

ولما دخل أرطبون إيلياء فتح عمرو غزة وسبسطية ونابلس واللد ويُبنَى وعمواس وبيت جبرين ويافا ورفح،
وقدم عليه أبو عبيدة بن الجراح وهو محاصر بإيلياء وهي بيت المقدس، فطلب أهل إيلياء من أبي عبيدة الصلح على مثل ما صولح عليه أهل مدن الشام على أن يكون المتولي للعقد لهم عمر بن الخطاب نفسه،
فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، فقدم عمر وأنفذ صلح (إيلياء) وكتب لهم به عهدًا.

وحاصر عمرو قيسارية بعد فتح بيت المقدس، ولكنه خرج إلى مصر فتولى فتحها معاوية بن أبي سفيان..
لقد شهد عمرو أكثر معارك فتح أرض الشام، وكان فتح أكثر فلسطين على يديه..
.....................................

الجمعة، 5 مارس 2010

عمرو بن العاص (رضى الله عنه).. فاتح مصر-1

عمرو بن العاص (رضى الله عنه).. فاتح مصر-1
.........

.........
الموضوع منقول من موقع الدكتور راغب السرجاني
www.islamstory.com
.....................
مقدمه

هو الصحابي الجليل عمرو بن العاص بن وائل، القرشي السهمي، يكنى أبا عبد الله وأبا محمد.
كان في الجاهلية جزارًا، وكان يحترف التجارة أيضًا، فقد كان يسافر بتجارته إلى الشام واليمن ومصر والحبشة.
كما كان من فرسان قريش وأبطالهم المعدودين، مذكورًا بذلك فيهم،
وكان أيضا شاعرًا حسن الشعر، حفظ عنه الكثير في مشاهد شتى.
كما كان معدودًا أيضا من دهاة العرب وشجعانهم وذوي آرائهم،
ولذلك أرسلته قريش إلى النجاشي ملك الحبشة ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده.

وبعد أن رجع من الحبشة، وفي سنة ثمان من الهجرة، وقبل الفتح بنحو ستة أشهر قدم هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة المدينة مسلمين،
فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إليهم

قال: "قد رمتكم مكة بأفلاذ كبدها"
، وكان قد همّ بالإقبال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حين انصرافه من الحبشة ثم لم يعزم له إلى ذلك الوقت.

ولما أسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته،


وقد بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يقول له
: "خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني"،
قال عمرو: فأتيته وهو يتوضأ فصعّد في النظر ثم طأطأه فقال
: "إني أريد أن أبعثك على جيش فيُسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة
". قال: قلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال: "يا عمرو، نعم المال الصالح للمرء الصالح".

وقد كان من أهم ملامح شخصيته رضي الله عنه ما يلي:

1- يفزع إلى الله ورسوله:

فقد أخرج ابن حبان في صحيحه عنه رضي الله عنه أنه قال:
فزع الناس بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم فتفرقوا، فرأيت سالما مولى أبي حذيفة احتبى بسيفه وجلس في المسجد، فلما رأيت ذلك فعلت مثل الذي فعل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني وسالما، وأتى الناس
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، ألا كان مفزعكم إلى الله ورسوله؟ ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان"؟!

2- شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان:

وفي ذلك أخرج الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابنا العاص مؤمنان، هشام وعمرو".

3- أميرٌ عليم بالحرب:

فقد ذكر ابن حجر في الإصابة من طريق الليث قال: نظر عمر إلى عمرو يمشي فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا.

وأخرج الحاكم أيضًا في المستدرك عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن لا ينوروا نارا، فغضب عمر وهم أن ينال منه، فنهاه أبو بكر رضي الله عنه وأخبره أنه لم يستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك إلا لعلمه بالحرب، فهدأ عنه عمر رضي الله عنه.

كما يحكي هو عن نفسه فيما أخرجه الحاكم أيضا فيقول: "ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في حربه منذ أسلمنا".

4- شديد التواضع:

وهو فوق ذلك متواضع شديد التواضع، وقد أخرج ابن المبارك عن جرير بن حازم قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يقول:
مَرَّ عمرو بن العاص فطاف بالبيت فرأى حلقة من قريش جلوسا فلما رأوه قالوا: أهشام (أخو عمرو) كان أفضل في أنفسكم أو عمرو بن العاص؟
فلما فرغ من طوفه جاء فقام عليهم فقال:
إني قد علمت أنكم قد قلتم شيئا حين رأيتموني فما قلتم؟
قالوا: ذكرناك وهشاما فقلنا: أيهما أفضل؟
فقال: سأخبركم عن ذلك, إنا شهدنا اليرموك فبات وبِتُّ في سبيل الله وأسأله إياها، فلما أصبحنا رُزِقَهَا وحُرِمْتُهَا ففي ذلك تبين لكم فضله علي!

وقد ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاة ذات السلاسل، وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح،
ثم استعمله على عمان فمات وهو أميرها،
ثم كان من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر،
وهو الذي افتتح قنسرين وصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية وولاه عمر فلسطين، هذا غير جهاده العظيم في حروب الردة.
.........................

الثلاثاء، 2 مارس 2010

مصر مقارنة بالدول التي لم يدخلها الفتح

مصر مقارنة بالدول التي لم يدخلها الفتح
....................
الموضوع منقول من موقع قصة الاسلام
للدكتور راغب السرجاني
www.islamstory.com
......................

الإنسانية في الاحتضاركان القرن السادس والسابع (لميلاد المسيح) من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف، فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون، وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي،
فقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها وشدة إسفافها، وكأن الإنسان قد نسى خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن، والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدهم أو بقيت ونورها ضعيف ضئيل لا ينير إلا بعض القلوب فضلاً عن البيوت والبلاد،
وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة، ولاذوا إلى الأديرة والكنائس والخلوات فرارًا بدينهم من الفتن وضنًّا بأنفسهم، أو رغبة في الدَّعَة و السكون، وفرارًا من تكاليف الحياة وجدها،
أو فشلاً في كفاح الدين والسياسة والروح والمادة، ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا، وعاونهم على إثمهم وعدوانهم، وأكل أموال الناس بالباطل على حساب الضعفاء والمحكومين.
نظرة في الأمم المختلفة
- الأمم الأوروبية الشمالية الغربية
لم يصل الفتح الدول الأوربية الشمالية الغربية؛ لذلك كانت تتسكع في ظلام الجهل المطبق، والأمية الفاشية، والحروب الدامية، لم ينبثق فيها فجر الحضارة والعلم بعدُ، ولم تظهر على مسرحها الأندلس لتؤدي رسالتها في العلم والمدنية، ولم تصهرها الحوادث،
وكانت بمعزل عن جَادَّة قافلة الحضارة الإنسانية بعيدة عنها، لا تعرف عن العالم ولا يعرف العالم المتمدِّن عنها إلا قليلاً، ولم تكن – مما يجري في الشرق والغرب مما يغير وجه التاريخ – في عير ولا نفير، وكانت بين نصرانية وليدة، ووثنية شائبة،ولم تكن بذات رسالة في الدين، ولا بذات راية في السياسة .
يقول هـ .ج . ويلز:
"ولم تكن في أوربا الغربية في ذلك العهد أمارات الوحدة والنظام"
ويقول (Robert briffault ) :" لقد أطبق على أوربا ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلاما وسوادا. قد كانت همجية ذلك العهد أشد هولا وأفظع من همجية العهد القديم، لأنها كانت أشبه بجثة حضارة كبيرة قد تعفنت،
وقد انطمست معالم هذه الحضارة وقُضِيَ عليها بالزوال، وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة وبلغت أوجها في الماضي كإيطاليا وفرنسا فريسة الدمار والفوضى والخراب " أبو الحسن الندوى: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص 51، 52 )
- أمم آسيا الوسطي
أما الأمم الأخرى في أسيا الوسطى وفي الشرق، كالمغول والترك واليابانيين، فقد كانت بين بوذية فاسدة، ووثنية همجية، لا تملك ثروة علمية، ولا نظامًا سياسيًا راقيًا، وإنما كانت في طور الانتقال من عهد الهمجية إلى عهد الحضارة ومنها شعوب لا تزال في طور البداوة والطفولة العقلية .
- الهند: ديانة، واجتماعًا، وأخلاقًا.
أما الهند فقد اتفقت كلمة المؤلفين في تاريخها على أَنَّ أَحَطَّ أدوارها ديانة وخلقًا واجتماعًا ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي، وأخذت نصيبًا غير منقوص من هذا الظلام الذي مد رواقه على المعمورة وامتازت عنها فى ظواهر وخلال يمكن أن نخلصها في ثلاث :
كثرة المعبودات والآلهة كثرة فاحشة . الشهوة الجنسية الجامحة . التفاوت الطبقي والمجحف والامتياز الاجتماعي.-
الوثنية المتطرفةارتقت صناعة نحت التماثيل في هذا العهد، وبلغت أوجها في القرن السادس والسابع، حتى فاق هذا العصر في ذلك العصور الماضية، وقد عكفت الطبقات كلها وعكف أهل البلاد من الملك إلى الصعلوك على عبادة الأصنام،
حتى لم تجد الديانة البوذية والجينية منها بُدًّا، وتذرعت هاتان الديانتان بهذه الوسيلة للاحتفاظ بحياتهما وانتشارهما في البلاد،
ويدل على ما وصلت إليه الوثنية والتماثيل فى هذا العصر ما حكاه الرحالة الصيني الشهير (هوئن سوئنج ) الذي قام برحلته بين عام 630 وعام 644 عن الاحتفال العظيم الذي أقامه الملك هرش الذي حكم الهند من عام 606 إلى 647 :
وأقام الملك احتفالاً عظيمًا في قنوج اشترك فيه عدد كبير جدًا من علماء الديانات السائدة في الهند، وقد نصب الملك تمثالاً ذهبيًا لبوذا على منارة تعلو خمسين ذراعًا،
وقد خرج بتمثال آخر لبوذا أصغر من التمثال الأول في موكب حافل قام بجنبه الملك "هرش" بمظلة وقام الملك الحليف " كامروب " يذب عنه الذباب.
ويقول هذا الرحالة عن أسرة الملك ورجال بلاطه :
إن بعضهم كان من عباد "شو" وبعضهم من أتباع الديانة البوذية وكان بعضهم يعبد الشمس، وبعضهم يعبد "وشنو" وكان لكل واحد أن يخص من الآلهة أحدا بعبادته أو يعبدهم جميعًا.
- الشهوة الجنسية الجامحة
وأما الشهوة فقد امتازت بها ديانة الهند ومجتمعها منذ العهد القديم، فلعل المواد الجنسية والمهيجات الشهوية لم تدخل في صميم ديانة بلاد مثل ما دخلت في صميم الديانة في البلاد الهندية،
وقد تناقلت الكتب الهندية وتحدثت الأوساط الدينية عن ظهور صفات الإله، وعن وقوع الحوادث العظيمة، وعن تعليل الأكوان روايات وأقاصيص عن اختلاط الجنسين من الآلهة وغارة بعضها على البيوتات الشريفة تستك منها المسامع ويتندى لها الجبين حياء، وتأثير هذه الحكايات في عقول المتدينين المخلصين المرددين لهذه الحكايات في إيمان وحماسة دينية وفعلها في عواطفهم وأعصابهم واضح،
زد إلى ذلك في صورة بشعة، اجتماع أهل البلاد عليها من رجال ونساء وأطفال وبنات،
زد إليه كذلك ما يحدث به بعض المؤرخين أن رجال بعض الفرق الدينية كانوا يعبدون النساء العاريات والنساء يعبدون الرجال العراة، وكان كهنة المعابد من كبار الخونة والفساق الذين كانوا يرزءون الراهبات والزائرات في أعز ما عندهن،
وقد أصبح كثير من المعابد مواخير يترصد فيها الفاسق لطِلْبته، وينال فيها الفاجر بُغيته. وإذا كان هذا شأن البيوت التي رُفِعَتْ للعبادة والدين فما ظن القاريء ببلاط الملوك وقصور الأغنياء ؟ََ!
فقد تنافس فيها رجالها في إتيان كل منكر وركوب كل فاحشة، وكان فيها مجالس مختلطة من سادة وسيدات،فإذا لعبت الخمر برؤوسهم خلعوا جلباب الحياء والشرف وطرحوا الحشمة فتوارى الأدب وتبرقع الحياء ...
هكذا أخذت البلادَ موجةٌ طاغيةٌ من الشهوات الجنسية والخلاعة، وأسفت أخلاق الجنسين إسفافًا كبيرًا.
نظام الطبقات الجائر
أما نظام الطبقات فلم يعرف في تاريخ أمة من الأمم نظامًا أشد قسوة وأعظم فصلاً بين طبقة وطبقة وأشد استهانة بشرف الإنسان من النظام الذي اعترفت به الهند دينيًا ومدنيًا وخضعت له آلافًا من السنين ولا تزال، وقد بدت طلائع التفاوت الطبقي في آخر العهد الويدي بتأثير الحرف والصنائع وتوارثها،
وبحكم المحافظة على خصائص السلالة الآرية المحتلة ونجابتها، وقبل ميلاد المسيح بثلاثة قرون ازدهرت في الهند الحضارة البرهمية، ووُضِعَ فيها مرسومٌ جديدٌ للمجتمع الهندي، وأُلِّفَ فيه قانون مدني وسياسي اتفقت عليه البلاد، وأصبح قانونًا رسميًا ومرجعًا دينيًا في حياة البلاد ومدنيتها وهو المعروف الآن بـ(منوشاستر).
يقسم هذا القانون أهل البلاد إلى أربع طبقات ممتازة البراهمة:
طبقة الكهنة ورجال الدين،شتري رجال الحرب، ويش رجال الزراعة والتجارة، شودر رجال الخدمة، ويقول منو مؤلف هذا القانون :
"إن القادر المطلق قد خلق لمصلحة العالم البراهمة من فمه، وشتري من سواعده، وويش من أفخاذه، والشودرا من أرجله، ووزع لهم فرائض وواجبات لصلاح العالم . فعلى البراهمة تعليم ويد وتقديم النذور للآلهة، وتعاطي الصدقات، وعلى الشتري حراسة الناس والتصدق، وتقديم النذور، ودراسة "ويد"،والعزوف عن الشهوات، وعلى ويش رعي السائمة، والقيام بخدمتها، وتلاوة ويد، والتجارة والزراعة، وليس لشودر إلا خدمة هذه الطبقات الثلاث.
- امتيازات طبقة البراهمة
وقد منح هذا القانون طبقة البراهمة امتيازات وحقوقًا ألحقتهم بالآلهة فقد قال: إن البراهمة هم صفوة الله وهم ملوك الخلق، وإن ما في العالم هو ملك لهم فإنهم أفضل الخلائق وسادة الأرض ولهم أن يأخذوا من مال عبيدهم شودر –من غير جريرة – ما شاؤوا، لأن العبد لا يملك شيئًا وكل ماله لسيده.
وإن البرهمي الذي يحفظ رك ويد "الكتاب المقدس " هو رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله، ولا يجوز للملك حتى في أشد ساعات الاضطرار والفاقة أن يجبي من البراهمة جباية أو يأخذ منهم إتاوة، ولا يصح لبرهمي في بلاده أن يموت جوعًا، وإن استحق برهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه، أما غيره فيقتل.
أما الشتري فإن كانوا فوق الطبقتين"ويش وشودر" ولكنهم دون البراهمة بكثير؛ فيقول "منو": إن البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشتري الذي ناهز مائة كما يفوق الوالد ولده.
- المنبوذون الأشقياءأما شودر "المنبوذون" فكانوا في المجتمع الهندي –بنص هذا القانون المدني الديني – أحط من البهائم وأذل من الكلاب؛ فيصرح القانون بأن " من سعادة شودر أن يقوموا بخدمة البراهمة وليس لهم أجر وثواب بغير ذلك. وليس لهم أن يقتنوا مالاً أو يدخروا كنزًا فإن ذلك يؤذي البراهمة، وإذا مَدَّ أحدٌ من المنبوذين إلى برهمي يدًا أو عصًا ليبطش به قُطِعَتْ يدُه، وإذا رفسه في غضب فدعت رجله،وإذا هَمَّ أحدٌ من المنبوذين أن يجالس برهميا فعلى الملك أن يكوي استه وينفيه من البلاد، وأما إذا مسه بيد أو سبه فيقتلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه سُقِيَ زيتًا فائرًا، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفضعة والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء ".
- مركز المرأة في المجتمع الهندي
وقد نزلت النساء في هذا المجتمع منزلة الإماء. وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار، وكان بعض الأحيان للمرأة عدة أزواج، فإذا مات زوجها صارت كالموءودة لا تتزوج، وتكون هدف الإهانات والتجريح،
وكانت أَمَةَ بيت زوجها المتوفي وخادم الأحماء، وقد تحرق نفسها على إثر وفاة زوجها تفاديًا من عذاب الحياة وشقاء الدنيا،وهكذا صارت هذه البلاد المخصبة أرضًا وعقولاً، وهذه الأمة – التي وصفها بعض مؤرخي العرب بكونها معدن الحكمة وينبوع العدل والسياسة، وأهل الأحلام الراجحة والآراء الفاضلة؛ لبعد عهدها عن الدين الصحيح، وضياع مصادره، وتحريف رجال الدين، واتباع هوى النفوس ونزعات الشهوات .. أصبحت هذه البلاد مسرحًا للجهل الفاضح، والوثنية الوضيعة، والقسوة والهمجية، والجور الاجتماعي الذي ليس له مثيل في الأمم ولا نظير في التاريخ.
هكذا عاشت الأمم التي لم تَستَنِر بنور الإسلام: سدرت في جاهليتها وغيها، وغرق الناس في بحور الجهل والظلم والشهوات التي أردتهم المهالك، واستعبد بعضهم بعضًا، وصاروا في دركة أحط من الحيوانات،

وبهذا يظهر الفرق
بين مصر التي عمرها الإسلام وأضاء أركانها؛ فانتقلت من حال إلى حال،
وبين الأمم التي لم يصلها الفاتحون، ولم تعرف نور الإسلام.
..........................